تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 375
(بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) فقصدوا إهلاكى فجعله اللّه سبب وصولى إلى هذه المراتب (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ) أي خفى التدبير (لِما يَشاءُ) من الخير بأسباب الشر وبالعكس (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ) بخفايا الأسباب (الْحَكِيمُ) في ترتيب الأمور على الأسباب الظاهرة تارة والخفية أخرى
(رَبِّ) أي يا من ربانى بلطف التربية (قَدْ آتَيْتَنِي) به (مِنَ الْمُلْكِ) الذي ظاهره ان يكون من أسباب الفساد مع صلاحية كونه من أسباب الكمال الحقيقى (وَ) قد جعلت لى ما تجعله من أسباب الكمال الحقيقى إذ (عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) فيسهل عليك ان تعلمنى معانى المحسوسات التي تظهر صورها في الآخرة فإن لم يكن فيّ ذلك فلا يتعسر عليك لكونك (فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ولا يبعد عليك الجمع بين الأمرين في حقى إذ (أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) وانما يخاف من الدنيا ان تصير حجابا ويرفعه الإسلام والصلاح (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) وهو وان كان نبيا فلا يأمن من مكر اللّه سيما وقد حصل له الملك الذي مكر به على الجمهور
(ذلِكَ) النبأ البعيد درجة كماله في جميع ما لا يتناهى من المحاسن والاسرار حتى صار معجزا (مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) الذي غاب عنك وعمن جالستهم وعن الكهنة والمنجمين فهو مما (نُوحِيهِ) من مقام عظمتنا شيأ بعد شيء باعتبار عدم تناهى ما فيه (إِلَيْكَ) أيها الخير في نفسه الداعى إلى الخيرات في العموم فيدل خوارقك على صدقك وكيف لا يكون غيبا وما سمعته من احد (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ) أي عند اصحاب هذا النباء (إِذْ أَجْمَعُوا) أي عزموا (أَمْرَهُمْ) اخوة يوسف على القائه في الجب وزليخا على فعلها ويوسف على امساك اخيه (وَ) لو كنت لديهم ما اطلعت على امرهم إذ (هُمْ يَمْكُرُونَ) اخوة يوسف على إخراجه من ابيه وفلطخ قميصه وبكائهم وزليخا في سجنه ويوسف في تهمة اخيه بالسرقة وانما أوحى اليك هذا المعجز ليؤمن بك الناس فيسعدوا على الابد
(وَ) لكن (ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ) على إيمانهم واسعادهم بتكثر الدلائل والمعجزات (بِمُؤْمِنِينَ) وإن علموا أن فيه سعادتهم الأبدية
(وَ) لا ينقص من سعادتهم الدنيوية اما المال فلانك (ما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) واما الجاه فلان الإيمان مانع من الرق والجزية في الدنيا والعذاب في الآخرة (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ) أي ما هو الاشرف (لِلْعالَمِينَ) ولتحصيل الشرف والسعادة لهم كثر آياته في السموات والأرض
(وَ) لكن لا ينظرون في ذلك إذ (كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ) أي كم آية (فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) مما يدل على وجود الصانع وصفات كماله واسمائه وأفعاله (يَمُرُّونَ عَلَيْها) مرورا يتيسر النظر معه (وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ) ان التفتوا إلى شيء منها فآمنوا لكن
(وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) به بعض آياته باعتقادهم ان له تأثير اوانه يستحق العبادة لظهوره بالالهية فيه
(أَ) لا يبالون بهذا الاشراك (فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ) أي تقمة تحيط بهم (مِنْ عَذابِ اللَّهِ) بدل سعادتهم بتوحيده (أَوْ) أمنوا اتيانهم في الدنيا مع من آمن ان (تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ) فإن زعموا انها مشروطة بسبق اشراطها فهل أمنوا اتيانها (بَغْتَةً) أو أمنوا وقوعها بعد اشراطها (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) بكونها اشراطها فإن زعموا ان اخفاءها يكون