تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 374
أى تحيرك (الْقَدِيمِ) ولم يزل يستزيد روحا يتقوّى به قوى رأسه إلى حين وصول حامل القميص
(فَلَمَّا) تم استرواحه (أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ) أي المخبر بما يسره من أمر يوسف وهو يهوذا ليفرحه بدل ما أحزنه بمجيء قميصه بدم كذب وانه أكله الذئب (أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ) المستروح به ليصل إليه نوره بعد ما وصل إليه روحه (فَارْتَدَّ بَصِيرًا) بما ذكرنا (قالَ) للقائلين إنك لفى ضلالك القديم (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ) من قدرته على ايصال الروح ورد البصر المعدوم الدال على رد الغائب بطريق الاولى ورحمته وروحه (ما لا تَعْلَمُونَ) وقد وجدت مقدمة ذلك فكذبتمونى ونسيتمونى إلى الخرف وضعف الرأى
(قالُوا يا أَبانَا) انا أخطأنا بنسبة الضلال القديم اليك وبما فعلنا في يوسف لكنا نعلم إنك تعفو عنا ولكن لا يذهب بذلك حق اللّه (اسْتَغْفِرْ) اللّه (لَنا ذُنُوبَنا) التي بيننا وبينه (إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ) فيها وان أدّت إلى الخير
(قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) وقت السحر وقيل ليلة الجمعة وكان يستغفر لهم كل ليلة جمعة سبعا وعشرين سنة وقيل سحر ليلة الجمعة ليلة عاشوراء (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ) لمثل هذه الكبائر (الرَّحِيمُ) بأربابها وصرحوا بالذنوب دون اللّه لمزيد اهتمامهم بها كأنهم لا يرون اللّه جامعا لصفات الرحمة وضدها إذ غلب عليهم النظر إلى قهره وصرح بذكر الرب دون الذنوب إذ لا مقدار لها بالنظر إلى رحمته التي ربى بها الكل وهم وان غفر لهم ورحموا لم يحصل لهم من القرب منه الموجب للقرب من اللّه ما حصل لابويه
(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ) حين ساروا إلى مصر فاستقبلهم إلى بريته مع الملك الوليد بن الريان (آوى) أي ضم (إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) يعنى أباه وخالته ليعانقهما بمقتضى مزيد شوقه إليهما لبعد عهدهما عنه ومزيد قربهما من قلبه (وَ) لكن من أثر الغفران والرحمة لم يبعدهم بالكلية بل (قالَ) لهم (ادْخُلُوا مِصْرَ) ولما مكر معهم في المرة الاولى مع تعظيمهم قال لهم الآن (إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) من مكرى ومؤاخذتى اياكم على ما فعلتم بعد ما وقعتم بيدى ومن الإهانة
(وَ) لكن مع ذلك (رَفَعَ أَبَوَيْهِ) حين دخلوا مصر وهناك عرشه (عَلَى الْعَرْشِ وَ) لكنهما شاركا الاخوة في تذللهم الاختيارى إذ (خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) على نهج التكرمة وكان جائزا ثم نسخ حين اتخذوا من دون اللّه أربابا وليس المراد الانحناء لأن الخرور تعفير الجباه وليس للّه لقوله له (وَقالَ يا أَبَتِ) لست في مكان التذلل وكذا اخوتى ولكن (هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ) سجود احد عشر كوكبا والشمس والقمر وان كانت (مِنْ قَبْلُ) باثنين وعشرين أو خمس أو ست وثلاثين أو أربعين أو سبعين أو ثمانين سنة (قَدْ جَعَلَها رَبِّي) من حسن تربيته اياى بعد ما كانت سبب اتلافى في الظاهر (حَقًّا) مطابقا للواقع في الحس (وَ) هو وان أهاننى حين أخرجنى من الجب بالعبودية (قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) فجعل الملك مطيعا لى مؤمنا بى مفوّضا إلىّ خزائن الأرض وقد كان كله بسبب تلك العبودية بعد الالقاء في الجب حتى انتهى به إلى هذه الحالة التي صدق فيها رؤياى (وَ) قد أحسن بى وبكم إذ (جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) إذ زال العداوة التي كانت بينى وبينكم (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ) أي افسد (الشَّيْطانُ) فأوقع العداوة