فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 379
غايتها افادة الهداية إذ (لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) فإن زعموا ان الآية الغير الملجئة انما هي كالدليل العقلى فليكن كافيا أجيبوا بأنه انما يكفى في بعض الأمور وثمة أمور لا يطلع عليها الا اللّه أو من أطلعه عليه بالكشف ففى المحاسن والقبائح ما يخفى حسنه وقبحه خفاء الحمل
(اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَ) في الخفيات ما ينقص محبة اللّه وما يزيدها فهي مثل (ما تَغِيضُ) أي تنقص من اجزاء الوالد (الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ) من اجزاء الولد (وَ) لا بد من هاد يبين مقادير الثواب والعقاب جاء من عنده إذ (كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ) فيطلع عليه من يبعثه للهداية ليبشر وينذر بمقدارهما بل الثواب والعقاب من الأمور الغيبية التي لا يطلع عليها العقل وانما يطلع عليها اللّه لأنه
(عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) ولا بدّ من وقوعها لأنه (الْكَبِيرُ) فيقتضى كبره كبر جوده وقهره ولا يكون جوده وقهره مثل ما يكون من غيره لأنه (الْمُتَعالِ) عن حد المخلوقين فيكون طاعته وعصيانه مقتضيين لما هو جوده وقهره ولتعاليه تعالى سمعه عن ان يخفى عليه مسموع بل
(سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَ) تعالى بصره عن أن يخفى عليه مبصر بل سواء عليه (مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ) أي طالب للخفاء (بِاللَّيْلِ) الذي هو وقت الخفاء ليزداد خفاء (وَسارِبٌ) أي بارز (بِالنَّهارِ) الذي هو وقت الظهور ليزداد ظهورا فلا مانع له من الجود والقهر من جهل ولا عجز وقهره بمقتضى عظمته بلا مانع وان أوجب اخذ العاصى حال العضيان لكن
(لَهُ مُعَقِّباتٌ) أي ملائكة تؤخر قهره (مِنْ) طاعات جعلها (بَيْنِ يَدَيْهِ وَ) طاعات يتوقع منه (مِنْ خَلْفِهِ) وليسوا معارضين له ارادته قهره بل غايتهم انهم (يَحْفَظُونَهُ) حفظا صادرا (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) من أجل الطاعات الماضية أو المستقبلة ولا يقتضى ذلك دوام الحفظ بل مادامت الطاعة الماضية باقية الاثر والمستقبلة متوقعة فإذا زال ذلك بطل الحفظ لذلك (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ) من عافية ونعمة (حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) من الخصلة التي من أجلها الحفظ كيف ولا يمكن للملائكة الحفظ عند ذلك لأنه وقت ارادة اللّه قهره (وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ) من جهة الملائكة بالحفظ مع اقتضاء عظمته قهر المعاصى في الحال بلا مانع ولا من غيرهم كيف وحفظهم فرع موالاتهم (وَ) عند ارادة اللّه السوء بهم (ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ) يلى أمرهم موالاة تعارض الارادة الالهية مع كونهم دونه ولا يبعد من اللّه ان يأمر الملائكة بالحفظ مع اقتضاء عظمته قهر العاصى في الحال بلا مانع إذ
(هُوَ الَّذِي) جمع بين القهر واللطف في أمر واحد هو البرق إذ (يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) لتخافوا من حفظ الابصار (خَوْفًا وَ) تطمعون في اهدائه الطريق (طَمَعًا وَ) اكمل وجوه الطمع فيه إذ (يُنْشِئُ) من أجل لمعانه (السَّحابَ الثِّقالَ) وصف به لأن السحاب لما كان جنسا كان في معنى الجمع
(وَ) أتم وجوه طمع الهداية فيه انه (يُسَبِّحُ الرَّعْدُ) أي ينزهه عن البخل ملتبسا (بِحَمْدِهِ) على جوده (وَ) هذا الطمع لا يخلو عن التخويف حتى انه يسبح (الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) من ظهوره بالهيبة في الرعد والبرق (وَ) في البرق ما هو أبلغ في التخويف إذ (يُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ) من بين العصاة وغيرهم فيخاف الملائكة من قهره مع عصمتهم (وَ) الكفار لا يبالون بقهره بل (هُمْ يُجادِلُونَ)