تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 378
كما مد الأرض مد العلوم وكما جعل فيها رواسى جعل في العلوم علوما رئيسة هي علوم الشرعية وكما جعل فيها أنهارا جعل في القلوب أنهار الكشوف وانه كما جعل في الثمرات زوجين اثنين جعل في منازل القرآن أحوالا ومقامات وانه كما يغشى الليل النهار يغشى ظلمة البشرية نور التجلى وكل ذلك للعلم باللّه فإن أخل بذلك فلا بد من السؤال عنه بالرجوع إليه ثم أشار إلى انه لا يحتاج فيه إلى هذه المقدمات بل يكفى فيه العلم بكمال القدرة والاختيار
(وَ) قد ظهر ذلك (فِي الْأَرْضِ) التي هي عنصر واحد (قِطَعٌ) مختلفة لا بحسب اختلاف مطارح شعاعات الكواكب ا هي (مُتَجاوِراتٌ وَ) في كل قطعة يختلف النبات إذ فيها (جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ) فإن اسند ذلك إلى اختلاف الموادّ فلا يتأتى في اختلاف النخيل لأنه (صِنْوانٌ) وهو ما تعدد منه من أصل واحد (وَغَيْرُ صِنْوانٍ) ولو كان لاختلاف المادة أثر لعارضه أثر ايجاد المادة وهو الماء لكن لا يعارضه إذ (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) مع انّ مادة الماء أكثر من مادة الاصل (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ) على قدرة اللّه واختياره وحكمته (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فيه تعريض بالفلاسفة المدعين كمال العقل مع نفيهم الاختيار
(وَإِنْ تَعْجَبْ) أيها المتعجب من شيء (فَعَجَبٌ) عظيم (قَوْلُهُمْ) بعد ظهور القدرة والاختيار والحكمة في البعث (أَإِذا كُنَّا تُرابًا) نبعث بعد العدم (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) مع انه لم يأت به دور من أدوار الفلك (أُولئِكَ) انما بعدوا عن الحق لأنهم (الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) القادر المختار الحكيم (وَ) جعلوه مضطرا إلى استعمال الأسباب السماوية بحيث يكون بدونها مغلول القدرة وقد غلوا افكارهم عن النظر في هذه الأمور لذلك كان (أُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ) لقولهم بتعجيز اللّه عن احداث دور يكون فيه ذلك على تقدير التوقف على الأسباب وهو موجب لغضبه (أَصْحابُ النَّارِ) التي هي أثر غضبه ولايجابهم تأثير الأسباب بحيث يوجبون افناء النار ما فيها بحيث لا يكون للّه معارضتها بذاته ولا بسبب (هُمْ فِيها خالِدُونَ) ليظهر فعله على خلاف مقتضى الأسباب
(وَ) قد بلغوا من اعتقاد عجز اللّه عن تعذيبهم إلى حيث (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ) أي العذاب على الكفر (قَبْلَ الْحَسَنَةِ) أي الثواب على الإيمان إذ يريدون ان يؤمنوا بعد ذلك العذاب فينالوا الحسنة مع انها ليست للمؤمن من اضطرار وانما هي للمختار فيه أينكرون العقوبة على الكفر (وَقَدْ خَلَتْ) أي مضت (مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ) أي العقوبات التي يضرب بها المثل في الشدة (وَ) انما لم يعجل عقوبة غيرهم ليستر قبح المعاصى عليهم (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ) أي الذين نسوا مثلات الاولين ليصروا (عَلى ظُلْمِهِمْ) ليظهر عليهم بمزيد قهره وسلطنته كيف (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ* وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) انما يستعجل العذاب ليكون آية ملجئة فإن لم ينزل (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ) أخرى ملجئة ليعلم كونها بالضرورة (مِنْ رَبِّهِ) فاجيبوا بأنه لا يبقى التكليف مع الملجئة ويكفى الآية المنذرة (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ) لا معاقب فتأتى بالآية الملجئة التي تكون نفس المعاقبة أو مستلزمة لها كيف (وَ) آياتك انما تكون كآيات من تقدم