فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 381

(نَفْعًا) يجرونه (وَلا ضَرًّا) يدفعونه بل هم دونكم في المظهرية لأنهم عماة وأنتم بصراء فإن أصروا على تفضيلهم (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ) فضلا عن تفضيل الاعمى فإن زعموا انهم أبصر في الباطن فهذا الباطن انما هو باعتبار ما تعلق بها من أرواح الشياطين فهي ظلمانية وأرواح الإنسانية نورانية فهل يستويان (أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ) فإن جعلوها نورانية فلا شك انّ الانبياء والملائكة أتم نورانية منهم أجعلوهم شركاء للّه مع اعترافهم بالعبودية (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ) أجل منهم إذ (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ) أي خلقهما (عَلَيْهِمْ) فلم يفرقوا بينهما في الالهية (قُلْ) ان صح ذلك مع حدوثهم فهل خلقوا أنفسهم أو خلقهم اللّه والأوّل باطل فتعين أن يقال (اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ) لا يكون خالقا لمثله إذ (هُوَ الْواحِدُ) الذي لا يجانسه غيره وكيف يكون المخلوق مثله وهو مقهور والخالق هو (الْقَهَّارُ) فإن زعموا انه لو كان واحدا قهارا لم يترك لغيره هذه الآثار أجيبوا بأنها من ظهوره بالصور في بعض الأشياء وبالآثار في البعض الآخر والكل بحسب الاستعدادات فإن ظهوره في الأشياء كماء السماء

(أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها) أي بمقدار سعتها وعمقها ولا ينافى ذلك غلبة الشياطين وحصول الباطل فإن ذلك كالزبد (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا) وهو مع بطلانه انه في ذاته يظهر (رابِيًا) أي مرتفعا على الماء (وَ) كما ينقسم الجواهر إلى الحق والباطل كالملائكة والانبياء والاولياء والعلماء والشياطين والكفرة المضلين ينقسم الأفعال إليهما وان كانت مخلوقة للّه فانه (مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ) مجعولا (فِي النَّارِ ابْتِغاءَ) أي طلب (حِلْيَةٍ) من الذهب والفضة (أَوْ مَتاعٍ) كالاوانى وآلات الحرب والحرث من الحديد والنحاس والصفر (زَبَدٌ مِثْلُهُ) أي مثل زبد الماء ثم أشار إلى المقصود بقوله (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً) أي رميا إلى الجوانب وهو مثل ذهاب آثار الشياطين واللذات المحرمة (وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ) من الماء الصافى والأجسام المذابة (فَيَمْكُثُ) أي يبقى (فِي الْأَرْضِ) كذلك يبقى الانتفاع بالملائكة والانبياء والاولياء والعلماء والأعمال الصالحة وكما ضرب اللّه المثل بالزبد وما حصل منه للباطل والحق (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ) للعلوم النافعة والضارة فالنافعة تكون تارة بالكشف كالماء النازل من السماء وتارة بالفكر الموجب للحرارة يتخذ منه ما يتزين به الاعتقادات والأعمال ويحصل من كل منهما شبهات كالزبد فهي العلوم الضارة ثم انه يبقى العلوم والاعتقادات والأعمال ويذهب الشبهات بالنظر الصحيح

(لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ) دعوته فانتفعوا بماء الهداية الذي انزله من سماء علمه بطريق الكشف أو الفكر ونفوا عنه وعن أعمالهم زبد الشبهات والقبائح (الْحُسْنى) أي كل خصلة حميدة يتصوّر بها علومهم واعتقاداتهم وأعمالهم فيبقى بقاء الجواهر (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) من الجواهر (وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ) من آثار اعتقاداتهم وأعمالهم فإنها وان كانت مثل الزبد فيبقى آثارها بقاء الجواهر ولا يعارضها جواهر أخر إذ (أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ) فيحاسبون بجميع قبائحهم التي لا يفى بها جواهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت