تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 382
الدنيا (وَ) لكنها لكونها كالزبد ترى من جوانب الصراط وأولئك (مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ) مع ذلك لا يحصل لها فناء الزبد لذلك يكون لهم (بِئْسَ الْمِهادُ) فإن زعموا ان استجابة ذوى الخوارق من رهابين الكفرة وشياطين الاصنام استجابة اللّه يقال لهم
(أَ) لستم تبصرون ما هو هداية في نفسه وضلال (فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) يا أكمل الخلائق (مِنْ رَبِّكَ) أكمل الاسماء (الْحَقُّ) الذي ينتقل منه إلى ما هو أعلى في باب الهداية (كَمَنْ هُوَ أَعْمى) لا يبصر ما يفترقان به في ذاتهما وينظر إلى الخوارق وحدها لكن هذا الكمال لا يظهر لعامة النظار بل (إِنَّما يَتَذَكَّرُ) فيحصل بالتذكر (أُولُوا الْأَلْبابِ) الناظرون إلى بواطن الأشياء وليس المراد في دقائق الأمور الدنيوية بل في دقائق الدين إذ هم
(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) الذي عهده على لسان رسله بمراعاة الدقائق (وَ) إذا رأوا فيه ناسخا ومنسوخا (لا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ) على الإيمان بهما لرؤيتهم اشتمال كل منهما على أكمل مصالح زمانه
(وَ) أيضا من أولى الألباب (الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) من المساعى والأخلاق الباطنة (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) من أن يدعوا الكمال لانفسهم أن يغار عليهم (وَيَخافُونَ) من ترك الأعمال خوفا من العجب والرياء (سُوءَ الْحِسابِ) أن يحاسب محاسبتهم القبائح عليهم
(وَ) أيضا من أولى الألباب (الَّذِينَ صَبَرُوا) في عبادة اللّه عن طلب ما سواه أو هرب منه بل عبدوه (ابْتِغاءَ) أي طلب رؤية (وَجْهِ رَبِّهِمْ) في الآخرة (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) لمشاهدته الدنيوية (وَأَنْفَقُوا) للفرار من حجاب المال (مِمَّا رَزَقْناهُمْ) من أملاكهم لا من الغضب (سِرًّا) مع ما فيه من دفع العجب (وَعَلانِيَةً) مع ما فيه من دفع الرياء (وَ) إذا حجبوا بالمعاصى (يَدْرَؤُنَ) أي يدفعون (بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) أي بنور الحسنة حجاب ظلمة السيئة (أُولئِكَ) لكونهم أولى الألباب (لَهُمْ) وهم في الدنيا (عُقْبَى الدَّارِ) أي معرفة عواقب أمور الدنيا تنكشف لهم كانهم الآن حصل لهم
(جَنَّاتُ عَدْنٍ) أي إقامة لاقامتهم على المعارف وان كانوا (يَدْخُلُونَها) واحدة بعد أخرى (وَ) كيف لا يكون هؤلاء أولى الألباب الحاصل لهم ذلك النور وقد حصل بتبعيتهم لمن يتعلق بهم من كامل وناقص وأنقص إذ يدخلها (مَنْ صَلَحَ) لدخولها (مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) فكيف لا يطلعون على البواطن (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ) من أبواب المعارف يقولون لهم
(سَلامٌ عَلَيْكُمْ) من أن يقع غلط في كشفكم (بِما صَبَرْتُمْ) لتمييز ما هو هداية منه وما هو ضلال وإذا كان لهم هذا في دار الابتلاء (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) دار الجزاء والكشف التام لهم فهؤلاءهم البصراء
(وَ) اما العماة فهم (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ) في الإيمان بالناسخ والمنسوخ والاخذ بالناسخ المشتمل على الدقائق الكثيرة (مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) بذكره في الكتب المنسوخة وبرعاية مصالح الأزمنة وباشتمالها على الفوائد الجليلة فهؤلاء في مقابلة الفرقة الاولى من أولى الألباب (وَ) في مقابلة الثانية منهم الذين (يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) من الأخلاق والمساعى الباطنة (وَ) في مقابلة الثالثة منهم الذين (يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) بالمعاصى وترك الطاعات الظاهرة وحذف الذين يشير إلى انهم جمعوا بين الخصال التي بها مقابلة الطوائف لكمال عماهم