تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 383
(أُولئِكَ) البعداء عن اللّه (لَهُمُ اللَّعْنَةُ) أي البعد عن معرفة العواقب بدل عقبى الدار (وَلَهُمْ) بدل الجنات (سُوءُ الدَّارِ) كانهم الآن فيها ولا ينافى ذلك بسط الرزق عليهم إذ
(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ) من متلذذ به ومتألم (وَيَقْدِرُ) أي يقبض لمن يشاء من متلذذ به ومتألم (وَ) لا عبرة بتلذذهم به إذ غايته انهم (فَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا) أياما قلائل بدل نعيم الآخرة (وَ) لو علموا مقدار ما استبدلوه لا نقلب فرحهم غما وألما لأنه (مَا الْحَياةُ الدُّنْيا) لو امتدت إلى آخر الدهر إذا نظر (فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ) يسير في مقابلة أمر جليل كمن أبدلت سلطنته بطعام يسير
(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالآخرة كيف لا نفرح بالدنيا ولا نعرف الآخرة الا عن قول من لا آية له ملجئة (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ) ملجئة يعلم انها (مِنْ رَبِّهِ) لانتفاء الاحتمالات معها دون غير الملجئة (قُلْ إِنَّ) الاحتمالات معلومة الانتفاء بحسب العادة المستمرة فلا يقدح في صدقها لكن (اللَّهَ يُضِلُّ) بها (مَنْ يَشاءُ) مع ايقاع صدق الآية الغير الملجئة في قلبه (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ) أي رجع إلى ما وقع في قلبه من صدقها وهم
(الَّذِينَ آمَنُوا) فصدقوا اللّه فيما أوقع صدقه في قلوبهم (وَ) ذلك لعدم ترددهم فيما يوقع في قلوبهم لثباتها على الحق إذ (تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) فلا يقع فيها ما يوجب التردد والقلوب وان كانت متقلبة في نفسها لكنها تترك هذه الطبيعة بذكر اللّه (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الكاملة لكونها إلى اللّه فلا تنقلب عنه لغلبة الإيمان عليها كأنهم هم
(الَّذِينَ آمَنُوا وَ) لادامة الطمأنينة (عَمِلُوا الصَّالِحاتِ) المطيبة للنفوس المكدرة للقلوب لذلك يكون (طُوبى لَهُمْ) أي لنفوسهم وقلوبهم وأرواحهم وأبدانهم (وَ) عند هذا الطيب يكون لهم إلى اللّه تعالى (حُسْنُ مَآبٍ) ولا يختص الارسال بالآيات المفيدة للطمأنينة إلى المؤمنين بل
(كَذلِكَ) بالآيات المفيدة للطمأنينة (أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ) فنكرت بالكفر لو تركت العناد نظرا إلى ما جرى على معاندى الأمم الماضية بتكذيبهم آيات رسلهم إذ (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ) مع ان آيتك أعظم إذ ارسلناك (لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ) الوحى المعجز (الَّذِي أَوْحَيْنا) من مقام عظمتنا (إِلَيْكَ) يا أكمل الرسل (وَ) لو لم يؤاخذوا بتكذيبهم فلا شك انهم يؤاخذون بكفرهم باللّه إذ (هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ) فإن زعموا انهم يعرفون اللّه دون الرحمن الا رحمن اليمامة وهو مسيلمة الكذاب (قُلْ هُوَ رَبِّي) وإن تعددت أسماؤه فسماه واحد (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) فإن عاندتم (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) في دفع عنادكم (وَ) لا يعسر على التوكل عليه إذ (إِلَيْهِ مَتابِ) رجوعى الموجب الموحى والآيات لا إلى الشياطين
(وَ) لا يتركون العناد (لَوْ أَنَّ قُرْآنًا) معجزا في نفسه حصلت فيه معجزات ملجئة إذ (سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) فازيلت عن اماكنها (أَوْ قُطِّعَتْ) أي صدعت (بِهِ الْأَرْضُ) عن كنوزها (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ) لو جعل جميع مقترحاتهم من خواص القرآن واللّه تعالى قادر عليه إذ (لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) لم يكونوا تاركى عنادهم وهو وان كان قادرا على ان يمنعهم العناد تركهم على اختيارهم (أَ) يطمع المؤمنون في إيمانهم بعد ما سمعوا اللّه يقول فيهم هذا القول (فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) عن إيمانهم لو أتتهم الآيات المقترحة فيرغبون في تحصيلها لاجلهم بل يجب عليهم أن ينظروا في (أَنَّ) أي ان