تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 395
والكفر به اضداد الجميع لذلك
(رُبَما) أي في بعض الاحيان افاقتهم عن سكر هول ما هم فيه (يَوَدُّ) الإسلام (الَّذِينَ كَفَرُوا) ولا ينالونه بل غايتهم أنهم يتمنون (لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) فلا يكون لهم هذا التمنى الا في بعض الاحيان فضلا عن تدارك المتمنى ولكنهم لا يعلمون الآن مع ظهوره لاشتغالهم بمأكلهم
(ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ) لا يحصل لهم منها سوى تمتع قليل فذرهم (يَتَمَتَّعُوا وَ) يعلمون عدم بقائه لكنهم يتمنون انهم لو حشروا حصل لهم مثله فذرهم (يُلْهِهِمُ) أي يشغلهم (الْأَمَلُ) بلا سند (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) منتهى أملهم وهو الهلاك الابدى
(وَ) قد استحقوه الآن لكن (ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ) أي أجل مكتوب (مَعْلُومٌ) أي مقدر ليتأمل في أسباب الهلاك ليتخلص عنها وهو وان علم انهم لا يتأملون فيها لا يعجل إهلاكهم كما أنهم إذا تأملوا فيها عند انتهاء الاجل لا يؤخر عنهم
(ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ) للزوم الحجة وارتفاع الاعذار
(وَ) لعدم تأملهم في الآيات المعجزة (قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) المعجز انما عجز عن كلامك العقلاء لأنه من كلام المجانين (إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) وغاية ما فيه من الحسن انه كلام جنى تعلق بك وزعم انه ملك نازل عليك بالوحى من اللّه فإن صح
(لَوْ ما) أي هلا (تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ) لنعلم انهم ملائكة كما علمتهم ملائكة (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في زعمك انه وحى وانه يأتيك الملك من اللّه فقال تعالى
(ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ) أي الا بالحكمة ولا حكمة في جعل الكل أصحاب الوحى كيف ولا يكون حينئذ رسول ومرسل إليه على أن ظهورهم يكون كالملجئ إلى الإيمان فلا يفيد الإيمان بعده (وَ) لذلك (ما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) أي مؤخرين وكيف يكون هذا من تنزيل الشياطين مع غاية عظمته بل
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا) من مقام عظمتنا (الذِّكْرَ) المعجز للجن والانس (وَ) يدل عليه امتناع تبديله (إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) إذ يظهر تبديله لكل ذكى
(وَ) لا يبعد اتفاقهم على نسبة الجنون اليك بما أتيت من الكلام المعجز من غاية كماله فانه سنة الكفرة الماضين فانه (لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ) أي فرق (الْأَوَّلِينَ) والرسول يجب ان يحيط بعقول المرسل إليهم
(وَ) هم مع كونهم فرقا مختلفة (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) باتفاق منهم على نسبة الجنون أو غيرها ليه ولا يبعد هذا الاتفاق منهم مع كونهم عقلاء إذ
(كَذلِكَ) أي مثل هذا الخيال الفاسد (نَسْلُكُهُ) بواسطة الشياطين (فِي قُلُوبِ) من يناسبهم من (الْمُجْرِمِينَ) فهم وان عارض خيالهم دلائل واضحة
(لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) لمضى سنتهم على الاصرار في العناد وسنتنا على إهلاكهم فلا يبعد أن يلحقهم هذه السنة كيف (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) عن المعارض لها فلا بد من وقوعها
(وَ) لا يتركون الاستهزاء بالرسل وان أتتهم الآيات التي تشبه الملجئة فانا (لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ) أي على هؤلاء المستهزئين (بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا) أي فصاروا طول نهارهم (فِيهِ يَعْرُجُونَ) أي يصعدون مستوضحين لما يرونه
(لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ) أي سحرت (أَبْصارُنا) ولا يختص السحر بأبصارنا ولا بوقت الصعود ولا بهذا النوع (بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ