فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 403

(خَصِيمٌ) أي مجادل في تمييز الحق من الباطل (مُبِينٌ) لما يميزه بإقامة الدلائل ورفع الشبه على ان الادنى الذي لا يصير أعلى انما خلق لحاجة الأعلى إليه فيجب ان يكون خالقه خالق الأعلى ابقاء لعلوه عليه

(وَ) لذلك وجب أن يقال (الْأَنْعامَ خَلَقَها) ابقاء لعلوّكم إذ (لَكُمْ فِيها دِفْءٌ) ما يشد به من اللباس والاكسية المتخذة من أصوافها وأوبارها وأشعارها مما يدفع الحرّ والبرد فيحفظ اعتدال المزاج الذي هو من أسباب العلوّ (وَمَنافِعُ) تدفع الحوائج المذللة كالدر والنسل يباعان فيها (وَ) مما يشتدّ إليه الحاجة دفع الجوع والعطش وهو يحصل منها بنفسها إذ (مِنْها تَأْكُلُونَ) لحومها وتشربون ألبانها

(وَ) منها ما يفيدكم مزيد علوّ عند الناس إذ (لَكُمْ فِيها جَمالٌ) أي زينة (حِينَ تُرِيحُونَ) أي تردونها إلى المراح بالعشى من المرعى (وَحِينَ تَسْرَحُونَ) أي تخرجونها إلى المرعى بالغداة فانه يجمل بذلك أهلها في أعين الناظرين إليها ولكون الجمال في الأوّل أظهر لأنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع قدمه ثم أشار إلى فائدة جامعة للحاجة والزينة فقال

(وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ) فلا تتذللون بحملها فهو زينة لكم على انه محتاج إليها لأنها تحملها (إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ) سيما مع تلك الاثقال (إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) فربكم انما خلقها رأفة بكم بدفع المشقة عنكم ورحمة عليكم بافادة الزينة لكم (إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) فلو شكرتموه زادت رأفته ورحمته بكم ولو كفرتموه بنسبتها إلى غيره زاد غضبه عليكم ثم أشار إلى ما هو أتم في دفع المشقة وافادة الزينة فقال

(وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ) خلقها (لِتَرْكَبُوها) فتدفعوا بها مشقة السير بالارجل وان كانت دون مشقة حمال الاثقال ففيه مزيد الرأفة (وَزِينَةً) فوق زينة الانعام ففيه مزيد الرحمة (وَ) من مزيد رحمته (يَخْلُقُ) لكم (ما لا تَعْلَمُونَ) فالادنى لما خلق ابقاء لعلوّ العالى المنسوب إلى الرب الأعلى يجب ان ينسب إليه أيضا فلا شريك له مساو ولا أدنى

(وَ) إذا كان خالقا للانعام المذكورة لدفع مشقة السير في طريق التجارة أو الزيارة أو غيرهما ولافادة الزينة فمشقة الآخرة أولى بالدفع وزينتها أولى بالتحصيل كان كالواجب (عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) أي بيان سبيل يجب ان يقصده دافع المشقة الأخروية ويحصل زينتها (وَ) كيف لا يبينه مع انها ليست مستوية في الايصال إلى ذلك إذ (مِنْها جائِرٌ) أي مائل (وَ) لكن لا يلجئ بيانه إلى الهداية إذ (لَوْ شاءَ) البيان الملجئ (لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) فلم يكن ثمة طريق جائر أصلا فلم يحتج إلى البيان فضلا عن الملجئ بيانه وان لم يكن ملجئا فلا ينقص عن قدر الكفاية في حق الكل لانّ سنته في الرزق الحسى والمعنوى واحدة وقد يكفى في الحسى إذ

(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) وكذلك أنزل علما (لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ) يسكن حرارة العطش وكذلك علمه يسكن حرارة الشوق إلى المعرفة (وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) دوابكم ففى العلم ما تنتفع به النفس الحيوانية فلا يقتلها الهوى قتل الجوع للحيوان وكما لا يقتصر في النبات على ما ينتفع به الحيوان دون الإنسان إذ

(يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ) الذي فيه قوت الإنسان (وَالزَّيْتُونَ) الذي فيه ادامه (وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ) اللذين فيهما مع ذلك مزيد التلذذ (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) التي هي فواكه وأدوية فكذا في العلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت