تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 404
ما ينتفع به الروح والقلب بطريق التقوّت كالعلوم العقلية وبطريق الادام كالمقدمات وبطريق التلذذ كعلوم المكاشفة وبطريق الفواكه والادوية من علوم المعاملة (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في إنزال المطر لهذه الفوائد الدنيوية (لَآيَةً) على إنزاله العلم المفيد هذه الفوائد (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) في سنته انها لا تتخالف في الأمور الظاهرة والباطنة
(وَ) لا يكون بيانه ملجئا لجريان سنته في الأمور الظاهرة التي جعلها في غاية الظهور إذ يكون لها نوع خفاء لذلك (سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ) للاخفاء (وَالنَّهارَ) للاظهار (وَ) ليس بيانه في حق الكل على نمط واحد كما ان الظاهرة للأمور الظاهرة ليست على نمط واحد في جميع الاوقات لأنه سخر (الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ) فكان بيانه في حق البعض كالشمس وفى حق البعض كالقمر وفى حق البعض كالنجوم وانتسب الكل إلى اللّه كما كانت هذه الكواكب (مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ) فاستوى الكل في نفس البيان استواء هذه الأشياء في نفس التسخير (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ) أشير إلى بعضها بما ذكر (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) بالفعل فوق عقل المتفكر بالقوّة
(وَ) البيان المنزل وان كان واحدا فلا يبعدان يختلف باختلاف التوجيهات فانه تعالى سخر لكم (ما ذَرَأَ) أي خلق (لَكُمْ) بحسب مقاصدكم المختلفة اعتنى بها وان كانت دنية باختصاص كونها (فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ) فاختلاف الوجوه في الأمر الأعلى بحسب اختلاف أهله أولى (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) فيستحضرون المعقولات من المحسوسات بادنى ملابسة لتقرير أسرارها بأذهانهم
(وَ) كيف يبعد استخراج الأمور المختلفة مما أنزل مع انه البحر المحيط وقد جرت سنته كذلك في البحر الحسى غاية ما في ذلك من الصعوبة مثل صعوبة البحر الحسى لكنه عز وجل سهله على أهله إذ (هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ) لتصيدوا منه السمك (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) في غاية الرطوبة ليفيد قواما لسهولة الغذاء وهو مثال ما يقوى الدين بأدنى تعب (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ) لآلى وجواهر لتجعلوهما (حِلْيَةً) وهو مثال تحرير الادلة التي يتزين بها الدين ويستر به عيوب الشبهات ستر الحلية عيوبكم إذ (تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ) أي شاقة من المخر وهو مثال لتدقيق النظر واشباعه (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) أي التجارة وهو مثال تحصيل الفوائد الزائدة على مفهوم الاصل (وَ) انما كان البحر دليل ما ذكرناه لأنه انما فعل ذلك لطلب الشكر (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) والشكر انما يكون بصرف النعم إلى ما خلقت له وذلك ببيان ما خلقت له وبيان المنعم وبيان فوائد الشكر
(وَ) البيان وان لم يتم مع تعارض الادلة أو النقض أو المناقضة ففيه ما يستقر على ما هو سنته في المحسوسات فانه وان كان فيها ما يتحرك ففيها ما يفيد السكون فانه (أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ) كراهة (أَنْ تَمِيدَ) أي تتحرك (بِكُمْ) فإذا فعل ذلك بكم في الأمور الحسية ففى العقلية بطريق الاولى لانّ الضرر هناك أعظم وقد جرت سنته بدفع الضرر (وَ) قد جعل في البيان ما لا يعرض له مانع كما انه ألقى في الأرض (أَنْهارًا وَ) لو تعارض بعض البيانات أو وضع فيها نقض أو مناقضة فقد جعل فيها طرقا مختلفة موصلة إلى المطالب كما انه جعل في الأرض (سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) فإذا اعتنى بكم في طريق الأرض فهو