فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 41
عن حده (اهْبِطُوا) من دار كرامتنا إلى دار الابتلاء وأقله العداوة والمضرة في الدنيا والدين إذ (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) يعاديكم ابليس بالاضلال والحية باللدغ (وَ) لا رجوع لكم إلى الجنة عن قريب إذ (لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) أي مدة استقرار يوقع في الامل (وَمَتاعٌ) يوقع في الشهوات وينسى نعيم الجنة (إِلى حِينٍ) أي القيامة على ظهرها أو في بطنها ولما لم يكن معصية آدم كفرا وكان معتنى به ألهمه اللّه كلمات
(فَتَلَقَّى) أي تقبل (آدَمُ مِنْ) الهام (رَبِّهِ كَلِماتٍ) هي ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين فاستغفر عنها وتاب عن امثالها (فَتابَ) اللّه (عَلَيْهِ) أي قبل توبته وان لم يمكنه اتيان مثل ذلك الذنب لافراط رحمته به (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ومع فضل رحمته به لم يرفعه إلى الجنة في الحال بل
(قُلْنَا اهْبِطُوا) أي استقروا بمكان الهبوط (مِنْها) أي من أثر تلك المعصية (جَمِيعًا) أي مجتمعين مع ما بينكم من العداوة لأن المقصود بالذات من الاهباط إلى دار الابتلاء هو الابتلاء بالتكليف (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً) أي فإن تحقق لكم اتيان هدى علمتم بالدلائل العقلية والمعجزات القولية والفعلية انه منى (فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ) أي ذلك الهدى بعد ما علم كونه هدى في نفسه لا يصح نسبته إلى مضل (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) بكونه تلبيسا منى أو من فعل الشيطان أو من الاطلاع على بعض الأمور السماوية أو الأرضية إذ علم انتفاء جميع ذلك بالعادة (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) لما يفوتهم من الدنيا بعده
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي أنكروا ذلك الهدى بتلك الاحتمالات البعيدة بل الباطلة بكونه هدى في نفسه (وَكَذَّبُوا بِآياتِنا) الواقع صدقها في القلوب بالضرورة فلا يرفعون إلى الجنة ولا يتركون في محل الهبوط المذكور بل يهبطون عنه إلى أسفل سافلين إذ (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) أي لا انتقال لهم عنها كأهل الاهباط الأوّل بل (هُمْ فِيها خالِدُونَ) إذ لا يتم الابتلاء الا بايعاد العذاب الخالد ولا يتم الا بالايفاء به
(يا بَنِي إِسْرائِيلَ) أي يا أولاد صفوة اللّه أو عبد اللّه يعقوب المطلعين على قصة آدم وعهده (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ) على اسلافكم فكانت في معنى الانعام (عَلَيْكُمْ) من لدن آدم بقبول توبته إلى زمن موسى بفلق البحر لكم واغراق أعدائكم وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى عليكم وإنزال التوراة فإنها كرامات مثل كرامات آدم باسجاد الملائكة له وادخاله الجنة (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) بالإيمان بكل هدى تحقق مجيئه منى سيما هدى محمد صلى اللّه عليه وسلم المأخوذ فيه ميثاق الانبياء عليهم السّلام فانه ليس بأقل من عهد آدم في الشجرة وما أخذ عليه في ذريته بعد الهبوط (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) بإزالة الخوف والحزن وتكفير السيآت وتضعيف الحسنات ورفع الآصار والاغلال (وَ) لا تخافوا فوات جاهكم ورشاكم بل (إِيَّايَ فَارْهَبُونِ) في كل ما تأتون وتذرون والرهبة خوف مع تحرز ثم أشار إلى أنه لو لم آخذ عليكم العهد بالإيمان به لوجب عليكم أيضا فقال
(وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ) أي بما علمتم إنزاله منى بإعجازه وعلم كونه هدى لكونه (مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ) في القصص والاعتقادات والنسخ ليس بتكذيب بل بيان لانتهاء الحكم