تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 421
اذ كان (يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ) يسافر إليه لطلبه فاعتقدوا ان ذلك ليس من اللّه بل من خواص قريتهم (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ) فنزعها منهم (فَأَذاقَهَا اللَّهُ) بدل لذة الامن والرزق لا ذوقا مختصا ببعض بل عاما عموم اللباس فكأنه ألبسهم (لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) لا على طريق الاتفاق حتى لا يعتبر به بل (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) من الكفران بنعمة الامن والرزق وليس باعظم من الكفران بما يفيده هذه الآيات من الامن عن الغلط والاشباع بالعلوم بل عذابه أشد
(وَ) لقد وقع فيهم أيضا فانهم (لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ) عرفوا صدقه لكونه (مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ) مع معرفتهم صدقه بكونه منهم وبدلالة المعجزة التي له (فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ) بالتكذيب ظلما أدنى من ظلم هؤلاء بهذه الآيات فهم اولى بالمؤاخذة الأخروية فوق إذاقة لباس الجوع والخوف وإذا كان كفران نعمة اللّه موجبا لاذاقة لباس الجوع والخوف وتحريم حلالها ولو بالنسخ من التحريم تكذيبا موجبا للعذاب لم يكن بد من الشكر وهو بقدر الانتفاع بالنعمة ولا يتم الا بالاكل
(فَكُلُوا) لا بطريق الاستيعاب المفضى إلى الاسراف المانع عن كمال العبادة التي بها كمال الشكر بل (مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) انعاما عليكم إذ جعله (حَلالًا طَيِّبًا) أي طاهرا من الشبهات (وَ) ليس المقصود من انعامها نفس الاكل بل الشكر (اشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ) بصرفها إلى ما خلقت له من التقوى على العبادة ومعرفة المنعم واعتنائه بعبادته (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) فلو لم تشكروه كنتم عأبدين النعمة دون المنعم ولو حرمتم ما أحل لكم كنتم عأبدين من حرم من دونه فإن لم تأكلوا فلا تحرموا سوى ما حرم ولا تحللوا ما حرمه وان عكس الغير
(إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ) من جملة ما يحله الغير (الْمَيْتَةَ) إذ لم تستفد من الذكاة الشرعية حياة معنوية تطيبها (وَالدَّمَ) لأن المقصود من الذكاة اراقته فلا يستفيد منها فائدة يعتد بها مثل التطيب (وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) لأن خبث أخلاقه ذاتية له فلا تزول بعارض الذكاة (وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) فإن ذكاته لم تفسده حياة إذ زادته خبثا لكن لا يبالى لخبث هذه الأشياء حال الاضطرار الحاصل بغير معصية (فَمَنِ اضْطُرَّ) إلى أكل هذه الأشياء (غَيْرَ باغٍ) بالخروج على الامام (وَلا عادٍ) بسفر المعصية كقطع الطريق والاباق (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) أي ساتر لخبثها فلا يتأثر بها فإن لم يستر فلا اقل من منع تأثيره لأنه (رَحِيمٌ) بالمضطر فلا يمكنه ان يؤثر فيه
(وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ) أي للشيء الذي تصفه ألسنتكم بالحل والحرمة الوصف (الْكَذِبَ) لمخالفته نص الشرع (هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ) بعد ظهور كذبه لكم فلا تستمروا عليه (لِتَفْتَرُوا) بنسبة التحليل والتحريم إلى اللّه (عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) فانه مثل الشرك بالاستحلال والتحريم (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) كما لا يفلح المشركون وان فازوا بكثرة الأموال والأولاد إذ هو
(مَتاعٌ قَلِيلٌ وَ) مع قلته هو سبب العذاب إذ (لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) من المفتريات قول اليهود ان ما حرم عليهم لم يزل محرما على الكل ولا يزال إذ المحرم الابدى ما يكون في ذاته خبث ولا خبث فيما حرم عليهم إذ
(وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ) في سورة الانعام مما لا خبث فيه