تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 425
حاجزا لهم لا يخرج عنهم العائد إلى الكفر بعد التوبة ولا غير العائد وتعذيب من أنكر القرآن أولى من تعذيب من أنكر التوراة لأنها وان كانت هدى لبنى اسرائيل هداية خاصة فهداية القرآن أكمل
(إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي) أي للملة أو الشريعة أو الحكمة التي (هِيَ أَقْوَمُ وَ) لكمال هدايته (يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) به (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ) كلها (أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) فوق أجر من آمن بالتوراة وعمل بصالحاتها وان بلغ هدايتهم الخاصة
(وَ) يبشرهم (أَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) به فانهم وان آمنوا بالتوراة فهم لا يؤمنون (بِالْآخِرَةِ) فلا يؤمنون بدوام ربوبية اللّه عليهم (أَعْتَدْنا لَهُمْ) قبل وصولهم إلى مكان إنكار ربوبيته عليهم فيه (عَذابًا أَلِيمًا) أشد من عذاب من أنكر التوراة
(وَ) كيف لا يعتدّ له العذاب الاليم مع استعجاله به إذ (يَدْعُ الْإِنْسانُ) استعجالا (بِالشَّرِّ) كالعذاب (دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ) كالثواب كانّ الشر عنده خير لا بمقتضى عقله كاستحسانه الدواء المر (وَ) لكن بمقتضى ترك النظر إذ (كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) بترك النظر مع تيسره
(وَ) لا يبعد من الإنسان ترك النظر مع كونه حاذقا كامل العقل إذ (جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ) على وقوع الإنسان في ظلمة الجهل تارة ونور العلم أخرى (فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) بجعلها مظلمة ليعلم الإنسان انّ ظلمة الجهل وان افادته السكون إلى اللذات الجسمانية فهي مانعة من اكتساب اللذات العقلية التي هي الفضائل (وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً) لتمييز الأشياء المحسوسة ليعلم الإنسان ان نور العلم يفيد تميز المعقولات (لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) من اصلاح المعاش والمعاد (وَ) آية الليل وان كانت مانعة من طلب الفضل لكنها إذا ضمت إلى آية النهار كانت مفيدة في معرفة مقدار الحياة المشتملة على النعم إذ كانت (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ) لتحسبوا النعم الواقعة فيها لتشكروا ربها بمقدارها كيف (وَ) قد كانت لتعلموا (الْحِسابَ) لتعلموا ان الجزاء على مقدار ذلك الحساب كيف (وَ) لم نتركه مجملا بل (كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا) شافيا
(وَ) لا يبعد كون الجزاء بمقدار العمل إذ (كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ) أي عمله الذي يطير به إلى مقام السعادة أو الشقاوة بان نجعله هيئة لروحه أو قلبه أو نفسه فهو كالتعويذ المكتوب (فِي عُنُقِهِ) لكنه الآن أمر معنوى (وَنُخْرِجُ لَهُ) بتصويره بصورة المكتوب (يَوْمَ الْقِيامَةِ) الذي تتصوّر فيه المعانى بالمحسوسات (كِتابًا) وهو وان كان اليوم كالمجمل (يَلْقاهُ مَنْشُورًا) لا إجمال فيه وهو وان كان غير مقروء قبل تصوّره بصورة الكتاب لكنه إذا تصوّر يقال له
(اقْرَأْ كِتابَكَ) أي كتاب أعمالك لئلا تحتاج إلى شاهد ولا إلى حسيب بل (كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) وإذا كان عمل كل إنسان يتصوّر بصورة جميلة أو قبيحة مع انها هيئة نفسه أو قلبه أو روحه
(مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي) مفيدا (لِنَفْسِهِ) الصور الجميلة (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ) بتفويت تلك الصور واستبدالها بالصور القبيحة (عَلَيْها وَ) لا يتغير ذلك بتحمل الغير منه فانه (لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) فلا يتصوّر بالصورة القبيحة لتلك الأعمال وانما يتصوّر الغير بصورة زعم الحمل لها (وَ) لا يبعد ان تصير الأعمال هيئة روحانية أو قلبية أو نفسية عن اعلام الرسل فانه يفيد تصوّرها بصورة العلم بكونها طاعة أو معصية ثم انقلابها بصورة الثواب والعقاب فانه