فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 427

العبادة بالانعام إذ (قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) لاختصاصه بنعمة الايجاد للتنعم والمنعم (وَ) لو كان ثمة مستحق آخر بالانعام لكان الاولى بذلك الابوين لاختصاصهما بسببية الايجاد الذي هو أصل النعم لكنه انما قضى فيهما بان تحسنوا (بِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا) أتم من الاحسان إلى سائر المنعمين لأنه بحيث (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) أي ان تحقق بلوغ أحدهما أو كليهما الذي هو زمان الضعف وسخافة العقل والاستقذار فإذا ظهر منهما ما تستقذره (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ) وهو صوت يدل على التضجر (وَ) ان تكلما أو فعلا ما لا ترضاه (لا تَنْهَرْهُما) أي لا تزجرهما (وَ) لو احتجت إلى نهيهما (قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا) أي جميلا

(وَ) لا تتكبر في خدمتهما بل (اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ) أي يدك المنسوبة إلى الذل بتعاطى الأفعال الذليلة على نهج المسارعة لا من ذلتك في نفسك بل (مِنَ الرَّحْمَةِ) أي رحمتك عليهما (وَ) لا تكتف برحمتك الفانية بل اطلب لهما الرحمة الباقية ولا تعتذر بعدمها عندك بل (قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما) رحمة باقية كاملة (كَما) أي كرحمتهما اياى للبقاء حين (رَبِّي إِنِّي) تربية شاقة عن افراط الرحمة إذ كنت (صَغِيرًا) ولا يكفى خفض الجناح في الظاهر ولا ترك التضجر باللسان بل يجب موافقة الباطن إذ

(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ) من الضجر والاستكبار على خلاف ما في الظاهر لكنه يعفو عنه (إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ) أي تائبين عما في الباطن مرة بعد أخرى (فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ) أي الرجاعين إلى اللّه بتوبة ظاهرة وباطنة (غَفُورًا) كيف لا يحسن إلى الوالدين مع انهما أقرب الاقارب وقد قيل لك

(وَآتِ ذَا الْقُرْبى) لم يقل القريب لأن المطلق ينصرف إلى الكامل والاضافة لما كانت لادنى الملابسة صدق ذو القربى على كل من له قرابة ما (حَقَّهُ) فيه اشارة إلى ان له حقا معينا بخلاف المسكين وابن السبيل (وَ) كيف لا تؤتى ذا القربى وقد أمرت ان تؤتى (الْمِسْكِينَ) من الاباعد ففى الاقارب مع الصدقة صلة الرحم والفقير يفهم بطريق الاولى لأنه أسوأ حالا منه (وَ) كيف لا تؤتى المسكين مع انه من أهل بلدك ففيه نوع جوار وقد أمرت ان تؤتى (ابْنَ السَّبِيلِ) مع كونه أبعد من جوارك وبالجملة أمر بالاحسان إلى من ليس بمنعم فكيف تترك الاحسان إلى المنعم (وَ) لكن ليس منه التبذير (لا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) بوجه من الوجوه بالانفاق في محرم أو مكروه أو على من لا يستحق فتحسبه احسانا إلى نفسك أو غيرك

(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) في كفران نعمة المال بصرفه في المحرم والمكروه والى غير المستحق (وَ) كيف لا يكونون اخوان الشياطين وغاية أمر الشيطان انه (كانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) بتغيير حكمته

(وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ) أي وان تحقق اعراضك عمنّ تريد الاحسان إليهم (ابْتِغاءَ) أي طلب (رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ) في المنع عنهم لئلا يقعوا في التبذير بصرف المعطى إلى شرب الخمر أو الزنا لا متوهمة بل مظنونة بحيث (تَرْجُوها) لهم لما عرفت من عاداتهم (فَقُلْ لَهُمْ) في الدفع (قَوْلًا مَيْسُورًا) أي سهلا عليهم احسانا إليهم بدل العطاء لهم فلا تقل لهم منعتكم لما أخاف عليكم شرب الخمر أو الزنا ثم نهى عن الاعراض للبخل مع الأمر بالاعراض مخافة البسط المفرط فقال

(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً) أي مقبوضة كانها مغلولة (إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها) ولو بلا تبذير (كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ) أي تثبت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت