تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 440
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) لمتجلى بجمعيته في كتابه حتى ظهر استحقاقه للمحامد كلها على إنزاله (الرَّحْمنِ) بإنزاله على عبده الجامع الذي ارسله رحمة للكل (الرَّحِيمِ) بجعله منذرا عن البأس الشديد ليفيد خواص عباده بشارة الاجر الحسن الدائم
(الْحَمْدُ لِلَّهِ) أي الحمد الجامع للمحامد مستحق للّه لأنه (الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ) الذي تجلى فيه التجلى الجامع الغيبى (الْكِتابَ) الجامع لتجلياته الشهودية (وَ) هذا التجلى وان كان قد يؤذى إلى تعوج بدعوى الالهية (لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) بل جعله مزيلا للعوج إذ جعله
(قَيِّمًا) مصلحا لا بطريق القهر بل (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا) وهو وان لم ير الغير كان يرى هذا البأس (مِنْ لَدُنْهُ) باعتبار تجليه الجلالى (وَ) لاختصاصه بأهل الاعوجاج وتقويمه مزيلا له كان شأنه أن (يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ) المزيلين عوج اعتقادهم (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ) ليزيلوا عوج أفعالهم الظاهرة والباطنة (أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) من التجلى الجمالى وهو وان كان قابلا للتبديل إلى الجلالى كقابليته التبديل إلى الجمالى لا يتبدل ما وقع منه بطريق الجزاء فيكونون
(ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا) لانعم هذه البشارة لكل من يدعى الإيمان والأعمال الصالحة فظهر عليه الجمال مع بطون الاعوجاج الذي هو دليل بقاء الجلال فيه بل كان شأنه ان
(وَيُنْذِرَ الَّذِينَ) بقى اعوجاجهم وجلالهم في الباطن مثل أهل الكتاب إذ (قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) وكيف لا يكونون من أهل الجلال وهم في هذا القول من أهل الحجاب فانهم وان كانوا علماء وآباؤهم علماء
(ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ) الذين تعلموا منهم بل لا شبهة لهم سوى متشابهات ألفاظ كتبهم مع ان العقل الصريح إذا دل على امتناع مفهومه يجب تأويله بما يناسب جناب الحق فهذه الكلمة وان نطقت بها كتبهم (كَبُرَتْ كَلِمَةً) من حيث (تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) على اعتقاد انها مستعملة في المعنى الحقيقى مع ظهور كذبه فهم وان وافقوا ظاهر الكتاب (إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) فإن انكروا كونه كذبا بالكونه ظاهر كتابهم
(فَلَعَلَّكَ) لعدم قبولهم قولك من افراط عوجهم (باخِعٌ) أي قاتل (نَفْسَكَ) غضبا (عَلى آثارِهِمْ) أي آثار علمهم بالكتاب من حمله على الأمر المستحيل المخالف لكتاب آخر منه سيما (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ) القريب من مقتضى صريح العقل فانه يوجب (أَسَفًا) أي افراط الحزن المفضى إلى افراط الغضب عليهم فإن زعموا انهم كيف يكونون محل الغضب وهم زينة الخلائق لاتصافهم بعلم الكتاب والزينة توجب الميل إليها لا الغضب عليها قيل لهم غاية أمرهم انهم زينة دنيوية كزينة ما على الأرض
(إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ) من الحيوانات والنباتات والاحجار الشريفة (زِينَةً لَها) لا للميل إليها بل (لِنَبْلُوَهُمْ) لنختبرهم فيظهر (أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) بالشكر عليها فكذلك أهل الكتاب زينوا بما اوتوا من علمه لنبلوهم أيهم أحسن عملا بمقتضاه فيبقى له زينة أخروية
(وَ) الا فالزينة الدنيوية غير باقية (إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا) أي ترابا (جُرُزًا) أي خاليا عن الزينة كذلك يجعل اللّه أهل الكتاب صعيدا لا يبقى زينتهم إذ لم يتزينوا بالعمل به فلا يبقى إليهم الميل المانع من الغضب عليهم بل يصيرون محله حال اخلالهم بالعمل المطلوب منهم وقد تركوا التزين بهذا الكتاب الذي هو أعجب الكتب السماوية وافتخروا