تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 443
الأرض حفظهم عن الاعداء بكلب إذ (كَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) بفناء الكهف أو الباب أو العتبة ليهابهم الاعداء مع هيبة ذاتية لهم بحيث (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ) مع غاية قوتك في مكافحة الحروب (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَ) لا يندفع الخوف بالفرار بل (لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) كما أبهمنا على الناس أحوالهم في النوم
(وَكَذلِكَ) أبهمنا عليهم أحوالهم في اليقظة حين (بَعَثْناهُمْ) ليهابوا اللّه فيخافوا مكره إذ منعهم العلم بما في أنفسهم مع اعطائهم هذه الكرامات لا لاساءة الظنّ بأربابها بل بأنفسهم حتى يتذلل لامثالها بالسؤال (لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ) لذلك (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) اعترافا بجهل نفسه أو طلبا للعلم من غيره وان لم يظهر كونه على اليقين (قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) فمن نظر إلى أنهم دخلوا غدوة وانتبهوا عشية ظنّ انهم لبثوا يوما وما نظر إلى أنه قد بقيت من النهار بقية ظن انهم لبثوا بعض يوم فهم مع ما أعطوا من الكرامات يتكلمون بالظنّ فالولى يجوز أن يتكلم بالظن فيما ليس من الاصول ويجوز أن يخطئ ثم لما نظروا إلى شعورهم وأظفارهم علموا أنهم لبثوا أكثر من ذلك لكن عجزوا عن تعيين مقداره فأحالوه على ربهم حتى (قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) أي بمقدار ما لبثتم فيه ولكن هذه الاحالة لا تمنع من طلب العلم به ولو في ضمن أمر آخر فاطلبوه في ضمن حاجة عرضت لنا (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ) المأخوذة للتزود لئلا نجوج إلى السؤال سيما في مكان يمنع من الإجابة إلى المسؤل به فيفضى إلى الهلاك فلا ينافى التوكل (إِلَى الْمَدِينَةِ) التي فررتم عنها فانه لا يمنع الرجوع إليها لحاجة يفضى اهمالها إلى الهلاك لكن لا يأخذ منها أيّ طعام وجده كحال المضطر إذ لا اضطرار مع امكان تحصيل الحلال (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها) أيّ أهلها (أَزْكى طَعامًا) أي اطهر عن الحرمة فلا يكون مغصوبا من مسلم ولا ذبيحة كافر وعن الشبهة (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) فانه وان كان على اللّه بكل مكان فلا بأس بالطلب الخفيف ولذلك قال (وَلْيَتَلَطَّفْ) فلا يبالغ في السعى له كى لا يبطل التوكل (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) لأنه إهلاك أشد من الإهلاك بالجوع
(إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) أي يطلعوا على مكانكم (يَرْجُمُوكُمْ) أي يقتلوكم بالحجارة وهو أشد من الموت بالجوع (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) وهو أشد من الرجم بالحجارة إذ يحصل بعده الفلاح (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا) أي إذا صرتم إلى ملتهم (أَبَدًا) ولو باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان إذ ربما يقتدى بظاهركم أولادكم أو غيرهم
(وَ) كما أعثرناهم على مقدار لبثهم من لسان أهل المدينة حين دخلها من بعثوه للطعام فأخرج الورق وكان بضرب دقيانوس فاتهموه بانه وجد كنزا من ضرب من سبق بثلثمائة وتسع سنين (كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) أهل المدينة حين ملكها مؤمن وهو يندوسيس واختلف قومه في أن البعث روحانى محض أو جسمانى فسأل الملك ربه أن يبين لهم الحق فلما ذهبوا به إلى الملك فقص عليه سر وانطلق مع قومه إليهم (لِيَعْلَمُوا) من حالهم الشبيه بالبعث الجسمانى (أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ) بالبعث (حَقٌّ وَ) ان لم يقع له نظير في الأزمنة الماضية لما علموا (أَنَّ السَّاعَةَ) الموعود فيها البعث (لا رَيْبَ فِيها) إذ لا بد من الجزاء بمقتضى الحكمة ثم قالوا للملك نستودعك اللّه ونعيذك به من شر الجنّ والانس فبينما هو قائم