تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 442
(السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) بحيث يدخل تحت ربوبيته كل معبود سواه فإن اكرهتنا على عبادة الغير (لَنْ نَدْعُوَا) فضلا عن أن نعبد (مِنْ دُونِهِ) أي من دنو رتبته عن رتبة رب السموات والأرض (إِلهًا) نجعله في رتبته (لَقَدْ قُلْنا إِذًا) أي إذ جعلنا للادنى رتبة الأعلى (شَطَطًا) أي ظلما على اللّه فيجب لدفعه تحمل ظلمك علينا ولا يندفع هذا الظلم بكونه متفقا عليه بين جماعة من عقلاء الدنيا إذ
(هؤُلاءِ) المشار إليهم بالاشارة القريبة لدناءتهم في أمور الآخرة لا نتبعهم مع انهم (قَوْمُنَا) ممن كثرت شفقتهم علينا لأنهم ضلوا حيث (اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) فإن زعموا انهم أهل الصواب (لَوْ لا يَأْتُونَ) على ما يقال (عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ) يتسلط على عقل من يقول عليهم (بَيِّنٍ) لا يمكنه دفعه فإن لم يأتوا به فهم ظالمون في حق اللّه لافترائهم عليه بان في رتبته العليا شركاء يساوونه فيها بجعلهم اياهم كذلك افتراء عليه (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) فهم أعداؤه ولا عبرة بقرابة من عادى سلطانا كبيرا
(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ) بترك متابعتهم من افراط ظلمهم وهو موجب لغضبهم (وَ) قد ازدادوا غضبا عليكم من ترككم عبادة (ما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) فانهم كانوا يعبدونه صريحا أو في ضمن عبادتهم له (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) الذي لا يطلعون عليكم فيه فلا يؤذونكم ولا تخافوا من الكون فيه فوات الطعام والشراب فانكم إذا التجأتم إلى اللّه بعد ما دعوتموه بنشر الرحمة وتهيئة الرشد (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) ما يغنى عن الطعام والشراب (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ) اختيار جانبه على جانبكم (مِرْفَقًا) يرفق بنفوسكم فيعطيها من لذات عبادته ما ينسيها سائر اللذات على أن لذاتها لم تخل عن أذية وهذه خالية عن الاذيات كلها
(وَ) من رفق اللّه بهم في ضمن رفقه بانابتهم إنك (تَرَى الشَّمْسَ) جميع السنة (إِذا طَلَعَتْ) أي صعدت (تَزاوَرُ) أي تميل (عَنْ) باب (كَهْفِهِمْ) الجهة (ذاتَ الْيَمِينِ) أي يمين الكهف لئلا يصيبهم شيء من حرها في وقت شدته فيوقظهم ويغير ألوانهم (وَإِذا غَرَبَتْ) أي هبطت (تَقْرِضُهُمْ) أي تغطيهم قطعة من نورها لئلا يموتوا بالبرد مائلة (ذاتَ الشِّمالِ وَ) ليس ذلك لضيق باب الكهف أو ميله إلى جهة لا يصل إليها ذلك بل (هُمْ فِي فَجْوَةٍ) أي سعة (مِنْهُ) أي من الكهف يصل إليهم الهواء من كل جانب دون أذى الشمس ولا استحالة في ذلك وان كان على خرق العادة ذ (ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) أي كراماته في حقهم وان لم يبالغوا في عبادته لكنها حصلت لهم من مزيد هدايتهم وليست الهداية منوطة بمزيد العبادة بل (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) وإن لم يكن له مزيد عبادة (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ) عبادة مرشدة بل لن تجد له (وَلِيًّا) يلى أمره فيحفظه من الضلال فضلا عن أن يكون (مُرْشِدًا) اللّه تعالى وان منعهم حر الشمس لم يمنعهم فائدته من تقوية الحياة لذلك
(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا) لفتح أعينهم وعدم استرخاء أعضائهم (وَهُمْ رُقُودٌ) مستغرقين في النوم بحيث لا يصل إليهم الصوت (وَ) قد كان بحيث لا يمكنهم التقلب بأنفسهم لكنا بمقتضى ما توقعوا بنا من مزيد الرفق (نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ) لئلا تتلف الأرض أجسادهم (وَ) كما حفظهم بالتقليب عن إهلاك