فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 46
ثم أشار إلى أن النعم الالهية لو لم تكن في حقهم سبب الكفر فلا أقل من أن تكون سبب التفرقة فقال
(وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى) أي دعا بالسقى (لِقَوْمِهِ) إذ عطشوا في التيه (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ) وكانا من الجنة حملهما آدم فتوارثهما الانبياء عليهم السّلام حتى وصلا إلى شعيب فأعطاهما موسى عليه السّلام وكان مكعبا ينبع من كل وجه ثلاث أعين يسيل كل عين في جدول ولا يبعد من قدرة اللّه أن يجعل الحجر جاذبا للهواء مقلبا لها بقوّة تبريده بالماء (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا) عدد قبائلهم (قَدْ عَلِمَ كُلُّ) قبيلة (أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ) المعين إذ لا يجتمعون على مشرب واحد فلم يجتمعوا في حياة موسى الجامع لهم على مشرب واحد فكيف يجتمعون بعده على شريعة واحدة فقيل لهم (كُلُوا) من المنّ والسلوى (وَاشْرَبُوا) من المشارب حال كونهما (مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) فلا تستعينوا به على معصية اللّه بل اجعلوه عونا على طاعته واستدلوا به على عنايته بكم (وَلا تَعْثَوْا) أي لا تفسدوا فسادا ساريا (فِي الْأَرْضِ) حال كونكم (مُفْسِدِينَ) بالتفرقة فلا تزيدوا عليها فعلم أن نعم اللّه لم تزل في حقهم سببا لمزيد فسادهم لذلك زادوا فسادا ببعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ثم أشار إلى أن النعم المذكورة انما كانت في حقهم أسباب الكفر أو التفرقة لكونها أمورا سماوية فشقت عليهم لميلهم إلى الأمور الأرضية فقال
(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى) نادوه باسمه من قلة أدبهم (لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ) وهو المنّ والسلوى لكونه سماويا (فَادْعُ لَنا) أي للتيسير لنا (رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا) أي لاطعامنا (مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) أي بعض نباتات الأرض (مِنْ بَقْلِها) المنتفع بنفسه من غير انتظار شيء من حبوب أو ثمرة (وَقِثَّائِها) الثمرة المنتفع بظاهرها (وَفُومِها) أي حنطتها الحبة المنتفع بلبها (وَعَدَسِها) الحبة المعينة في أكل الخبز من الحنطة (وَبَصَلِها) المشابه للاصول المعين فيه أيضا (قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) أي أ تطلبون أدنى الأشياء قدرا ونفعا ولذة بدل أعلاها ولذلك استبدلوا الدنيا بالآخرة وشريعتهم بهذه الشريعة (اهْبِطُوا مِصْرًا) أي انزلوا بلدا (فَإِنَّ لَكُمْ) فيه (ما سَأَلْتُمْ) من غير دعاء أحد ولا يليق بى أن أدعو لتنزيلكم (وَ) لما مالوا إلى الادنى (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) أي جعلت كالقبة المضروبة عليهم في الاحاطة بهم فلا يكاد ترى يهوديا الا ذليلا ومسكينا في نفسه أو فيما يظهره من حاله مخافة أن يستزاد في الجزية وفيه اشارة إلى أنهم ليس لهم إذلال هذا الدين أصلا (وَ) ليس تذللهم ومسكنتهم محمودا يفيد رضا اللّه بل لذلك (باؤُ) أي رجعوا إلى ذلة أنفسهم ملتبسين (بِغَضَبٍ) عظيم (مِنَ اللَّهِ) يتسليط قهره ومنع لطفه ولذلك سلط عليهم الكفر ومنعهم الإيمان وليس بمجرد استبدالهم الطعام الممل لهم بل (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ) التي من جملتها المنّ والسلوى (وَ) لكفرهم كانوا (يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) شعيبا وزكريا ويحيى وغيرهم عليهم السّلام مع علمهم أنه (بِغَيْرِ الْحَقِّ) أي الموجب له