تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 4
من إنسان ونطفة وعلقة وعناصر فوجدت مادتك بلا شيء أصلا فضلا عن سبب فلا يبعد أن يحصل لك ولد من غير سبب مؤثر بالكلية لا في الظاهر ولا في الباطن فغاية الأمر انه حصل بسبب لا أثر له سوى هذه النسبة
(قالَ رَبِّ) إنك وإن ربيتنى بهذا الولد لكن جعلت هذه الآية في ذات الولد (اجْعَلْ لِي آيَةً) تكميلا لتربيتك واشتغالا بشكرك قبل ظهور نعمتك (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ) أي تمتنع عليك مكالمتهم (ثَلاثَ لَيالٍ) لكونك في حكم الغائب عنهم لافراط اشتغالك بالحق (سَوِيًّا) بلا مرض في بدنك ولا في لسانك وليس ذلك بالفناء في اللّه بل حال الرد إلى الخلق
(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ) الذي كان فيه في حكم الغائب عنهم فرد إليهم لتكميلهم (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ) أي اشار إليهم (أَنْ سَبِّحُوا) أي صلوا للّه (بُكْرَةً وَعَشِيًّا) أي ناظرين إلى ظهوره في الخلق مع بطونه فلا يحجبكم احدهما عن الآخر وان غلب عليكم نور الحق ولعدم احتجابه باحدهما عن الآخر عبر عنها بالايام في سورة آل عمران ولسريان نور الجمعية منه إلى ولده قلنا له
(يا يَحْيى) المخلوق لاحياء الظاهر بالأعمال والباطن بالأخلاق والأحوال والعلوم (خُذِ الْكِتابَ) الجامع لها وهو التوراة (بِقُوَّةٍ) أي عزيمة في العمل والتخلق بما فيه وفهم ظاهره وباطنه بحيث يتحقق فيك ميراث أبيك وميراث آل يعقوب (وَ) يسرنا له ذلك إذ (آتَيْناهُ الْحُكْمَ) أي استنباطه بطريق الاجتهاد (صَبِيًّا) فلا يعسر عليه الترقى إلى ما ذكر
(وَ) لم يكن كماله لازما بل متعديا إذ آتيناه (حَنانًا) أي رحمة يرحم بها الخلق لتحققه باسمائنا لا بطريق الاكتساب بل موهوب له (مِنْ لَدُنَّا وَ) لم يدّع بذلك كمالا لنفسه إذ اتيناه (زَكاةً) أي طهارة عن الخبائث التي من جملتها الدعاوى الفاسدة (وَ) لم يقصد بذلك طلب جاه ولا مال إذ (كانَ تَقِيًّا) عن طلب ما سوى اللّه هذا فيما بينه وبين اللّه
(وَ) اما فيما بينه وبين الخلق فكان (بَرًّا بِوالِدَيْهِ) محسنا لخدمتهما ولما لم يتصوّر في حق الجميع قال في حقهم (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا) بإبطال حقوقهم (عَصِيًّا) بترك تعليمهم وامرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وارادة السوء بهم ثم أشار إلى عصمته وقربه فقال
(وَسَلامٌ) من اللّه وملائكته (عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ) فلم يمسه فيه الشيطان ولم يملكه الهوى والغضب (وَيَوْمَ يَمُوتُ) فلم يكن للشيطان عليه سلطان ولم يكن له التفات إلى ما ترك من الدنيا ولا سؤال القبر ولا عذابه (وَيَوْمَ يُبْعَثُ) فلم تحزنه أهوال القيامة فكان (حَيًّا) أطيب حياة فيه
(وَاذْكُرْ) يا نبى الرحمة للامة المرحومة مما يصل إليهم بواسطتك أتم مما يصل إليهم بدونها (فِي الْكِتابِ) الالهى نيابة عن اللّه وهو وان كان عبارة عن القلم الأعلى فهو عين باعتبار أن ما سوى اللّه فائض من نوره صلوات الرحمن عليه حقيقتك رحمة ربك امته (مَرْيَمَ) إذا عطاها ولدا بلا والد ودعاء أحد فهو أعجب من ولد زكريا رحمهما اللّه (إِذِ انْتَبَذَتْ) أي اعتزلت (مِنْ أَهْلِها) لئلا يشغلوها عن العبادة فاستقرت (مَكانًا شَرْقِيًّا) أي شرقى بيت المقدس لطلب اشراق انوار الحق
(فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا) لئلا تحجبها رؤية الخلق عن أنوار الحق فكشفنا لها عن عالم الملكوت (فَأَرْسَلْنا إِلَيْها) جبريل يحمل (رُوحَنا) أي المنسوب إلى مقام عظمتنا لغاية كماله لينفخ فيها بعد ان تمنى ليكون مادة لجسد عيسى (فَتَمَثَّلَ) أي فتصوّر