فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 10

(وَ) انما تاب لأنه (آمَنَ) والإيمان وحده مجوّز للمغفرة فكيف إذا اجتمع مع التوبة كيف (وَ) انما تاب لمعرفة ضرر اضاعة الصلاة واتباع الشهوات ونفع اتيان الصلاة وترك الشهوات ومثل هذا لا محالة (عَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ) كيف يلقون غيا وهم بإيمانهم وأعمالهم الصالحة (يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ) ان عذبوا بترك الصلاة واتباع الشهوات مع الإيمان والقبائح لعدم التوبة (لا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) حتى يلقون غيا فكيف مع التوبة ولا يتضررون بتحمل مشاق الصلاة وترك اتباع الشهوات في الحال أيضا لأنهم بقوّة إيمانهم المؤيدة بأعمالهم كأنهم الآن يدخلون

(جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي إقامة فكأنهم أقاموا فيها بما وثقوا من وعده إذ هي (الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ) مع ان رحمته تقتضى إعطاءها من غير وعد فكيف إذا وعد سيما إذا وعد (عِبادَهُ) الخواص وهو وان كان (بِالْغَيْبِ) فليس ممّا يجوز الخلف فيه حتى لا يترك له اللذات المحققة الدنيوية (إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) فكانه آتيهم الآن ثم شهوات الدنيا وان حصلت كامله فلا تخلو عن نزاع يسمع به كلمة لغو وهؤلاء إذا تلذذوا بربهم فكأنهم في جنة

(لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلَّا سَلامًا) فانه يسلم لهم الكل ولا يفوتهم الشهوات المحسوسة في الدنيا بل هم في هذا الباب كأنهم في جنة (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا) يأتيهم من بيوت الناس من غير تعب ولا يفوتهم بذلك الجنة الأخروية إذا لم يكن ذلك مطلوبهم بل يحصل لهم منها نصيبهم ونصيب من يرثونها منهم إذ

(تِلْكَ الْجَنَّةُ) وإن كانت من خلق الرحمن فحقها ان يرحم بها مقيمى الصلاة وتاركيها ومتبعى الشهوات ومجتنبيها هي (الَّتِي نُورِثُ) من غير المتقى (مِنْ عِبادِنا) وإن انتسبوا إلى عظيم رحمتنا (مَنْ كانَ تَقِيًّا) فانه يأخذ نصيبه ونصيب غير المتقى بمقتضى عموم الرحمة رعاية للحكمة

(وَ) لا يبعد التخصيص في الرحمة العامة مع وقوعه في الرحمة الخاصة فإن منها إنزال الملائكة على الانبياء ولا يعم أوقاتهم بل يختص ببعضها فانا (ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) الجامع للكمالات فلا يمكننا مخالفته على ان مخالفته اما بالتقدم أو بالتأخر أو بالاستقرار على ما نحن عليه قبل الأمر لكنا نخاف في التقدم اتلاف أمر نستقبله كالآخرة إذ (لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ) في التأخر اتلاف أمر قد قطعناه كالأعمال إذ له (ما خَلْفَنا وَ) في الاستقرار على ما نحن عليه بخلاف أمره نخاف تغير أحوالنا إلى الشيطنة مثلا إذ له (ما بَيْنَ ذلِكَ وَ) كيف لا نفعل ذلك وهو مشعر بنسيان الأمر لكن (ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) ومقتضى ربوبيته تربيتك بالأمر والنهى وقد ربى لك الكل إذ هو

(رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما) يفيض عليها الوجود الذي هو من أعراضها كل حين فلو غفل عن ذلك ساعة هلكت رباها لاجلك لينعم بها عليك فتشكره بعبادته المترتبة على الأمر والنهى (فَاعْبُدْهُ وَ) لو شقت عليك (اصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ) استكمالا لتربيته واحترازا عن عبادة النفس والهوى التي لا تستحق العبادة إذ لا يستحقها غيره والا لتسمى باسمه ولو مجازا لكن (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) أي هل تعرف أحدا اجترأ على تسمية نفسه أو غيرها باسمه حقيقة أو مجازا

(وَيَقُولُ الْإِنْسانُ) الذي أعطى العقل لينظر في العواقب وأنعم عليه بخلق السموات والأرض وما بينهما ليعرف المنعم فيشكره ويعبده فيجازى على فعله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت