فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 9
(إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ) إذ وعد الصبر عند ذبح نفسه فوفى به (وَ) لكونه جامعا للفضائل عن هذا الإخلاص (كانَ رَسُولًا نَبِيًّا) لكونه مكملا فيها أهله
(وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ) الذين هم أقبل لنور الكمال منه (بِالصَّلاةِ) ليتصلوا بها بربهم (وَالزَّكاةِ) ليتطهروا عن النقائص في مقامات القرب (وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) لا نقص في شيء من أحواله ومقاماته وأخلاقه وأعماله وهو مستوجب لرضا الخلق فكان موهوبا له على العموم بعد هبة الأهل بالخصوص
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ) الالهى نيابة عنه رحمته (إِدْرِيسَ) هبة دوام الحياة المقصود من إعطاء الولد بإخراجه من عالم الكون والفساد واعطائه أعلى الاماكن فكأنّه المطلوب من إعطاء الأولاد الانبياء والاولياء والأهل الصالح لمكان صديقيته (إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا) فرفعته صديقيته هذه الرتبة كما رفعته إلى رتبة النبوّة إذ كان (نَبِيًّا) ولكن النبوّة رفعة معنوية
(وَرَفَعْناهُ) مع تلك الرتبة (مَكانًا عَلِيًّا) بالمكانة وهو السماء الرابعة التي هي أعلى الطبقات منزلة لتوسطه ولذلك كانت محل الشمس التي هي كالملك ينزل وسط مملكته ليدل هذا الظاهر على الباطن في حق كل صديق ولا يبعد أن يكون يحيى وعيسى واسحاق ويعقوب موهوبين لمن ذكر إذ
(أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) بهبة هؤلاء مع كونهم (مِنَ النَّبِيِّينَ) هبات لآخرين كادريس لآدم لأنه (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) وإن كان بينهما أوساط منهم شيث لكن آدم لمزيد جمعيته أولى بكونه موهوبا له ادريس (وَ) لكن ينسب إلى الاقرب إذ كان مؤمنا كابراهيم فانه (مِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ) لا إلى أبيه لكفره ولا إلى نوح لايهامه كونه موهوبا له مع انه قد جعل في سورة الانعام من ذرية ابراهيم المعنوية ولذلك لم يصرح بكون ابراهيم من ذرية المؤمنين من أمته على أنه في الظاهر من ذرية نوح (وَ) إذا وهب لابراهيم مثل نوح فلا يبعد هبة اسحق ويعقوب له لكونهما (مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَ) لا يبعد كون يحيى مع جلالة شأنه هبة لزكريا لأن لقربه مزيد تأثير في ذلك لذلك جعل زكريا من ذرية (إِسْرائِيلَ) دون ابراهيم بل القرب يجعل النبى هبة للمولى (وَ) لذلك جعل عيسى هبة لمريم لكونها (مِمَّنْ هَدَيْنا) فسلك (وَاجْتَبَيْنا) فجذب لكن مع هذه الفضائل لم يصرح بكونه ذرية لها ههنا وان صرح بكونه هبة لها أولا ليعلم انه هبة لها من وجه دون وجه ولجعل اللّه الانبياء هبات لمن دونهم وهي إذلال لهم لم يزالوا خائفين وان نزلت عليهم آيات الرحمة لذلك (إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا) أي وقعوا (سُجَّدًا) استثعارا بان أصلهم الذلة وانما ارتفعوا بالرحمة (وَبُكِيًّا) من خوف ابدال الرحمة بالعذاب وهذا المخوف وان لم يقع في حقهم لخوفهم وقع في المغترين بهم من ذرياتهم
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد ما عملوا من حالهم (خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ) المتضمنة للسجود والاذكار المستدعية للبكاء (وَ) أتوا بما ينافى البكاء والأمور المرضية من الأخلاق والأعمال وهو انهم (اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ) فانهمكوا في المعاصى التي هي بريد الكفر (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) أي جزاء الضلال العظيم الجامع بين الكفر والمعاصى قيل هو واد في جهنم أشدها حرا وأبعدها قعرا ويروى في الحديث الغى والاثام بئران يسيل فيهما صديد أهل النار
(إِلَّا مَنْ تابَ) من اضاعة الصلاة واتباع الشهوات فانه لا يلقى غيا كيف