تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 38
أى صاحب الحوت يونس بن متى (إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا) على كشف العذاب عن قومه بعد ما أوعدهم نكره أن يكون بينهم بعد ما وقع له الخلف (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ) أي ان لن نضيق الأمر (عَلَيْهِ) فركب سفينة فسكنت الريح فقال التجارون ان ههنا عبدا آبقا فاقترعوا فخرجت القرعة باسمه فألقى نفسه في البحر فالتقمه الحوت (فَنادى) أي دعا (فِي الظُّلُماتِ) بطن الحوت والبحر والليل (أَنْ) أي انه (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ) فلا يقدر غيرك على تخليصى من بطن الحوت وقد تنزهت (سُبْحانَكَ) من أن تظلم بادامة الحبس أو بالاتلاف بلا ذنب أو ما في معناه بل (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) بالخروج بغير إذنك إذ كان في معنى الذنب في حقه
(فَاسْتَجَبْنا لَهُ) دعاءه ضمنا اعادة له في الرحمة (وَ) ذلك انا (نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ) أي غم الحبس في بطن الحوت وتلفه فيه فامرنا الحوت أن يقذفه بالساحل (وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) من الخلود في جهنم بإيمانهم
(وَ) لا عجب في دفع الغموم العظيمة من أهل الصلاح وقد دفع عن زكريا أدنى الغموم فاذكر (زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ) ليزيده تربية فقال (رَبِّ) ربّى بمن يؤانسنى (لا تَذَرْنِي فَرْدًا) أي لا تتركنى وحيدا عمن يرثنى نبوّتى (وَ) ان لم يبق في ذريتى أبدا إذ (أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) تستردها فتعطيها من هو خير من ذريتى
(فَاسْتَجَبْنا لَهُ) دفعا لغمه مع الياس من دفعه للكبر (وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى) لنحيى به ذكره ونبوّته وعلمه وصلاحه (وَ) كان فيه معجزة أخرى إذ (أَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) لئلا يحصل له عند امرأة لم تطل صحبتها معه فيسرى نقصها إليه ثم أشار إلى ان هذا التبرك انما حصل لهم بواسطة صلاحهم (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) أي يبادرون في كل باب من الخير (وَ) انما تمت لهم تلك المبادرة لأنهم كانوا (يَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا) أي راجين فضلنا خائفين عدلنا (وَ) لم يكونوا بذلك معجبين بل (كانُوا لَنا خاشِعِينَ) أي متواضعين يرون القصور في أعمالهم وكيف لا نعطى المبادرين في الخيرات الداعين رغبا ورهبا الخاشعين هذه الفضائل من بركة أصولهم أو حواشيهم أو فروعهم
(وَ) قد أعطينا (الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) أي مريم الصابرة العزوبة فجزيناها على صبرها (فَنَفَخْنا فِيها) شيأ عجيبا (مِنْ رُوحِنا) أي المنسوب إلى عظمتنا لكونه بلا واسطة الأب (وَ) كان لها خير مما يكون للمتزوّجة إذ (جَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ) إذ جعلنا لها كرامات كالنطق في الصغر واتيان الرزق في غير أوانه مع سد الابواب وجعلنا له ارهاصات ومعجزات كتثمير النخل اليابس واجراء العين والنطق في المهد والاحياء وابراء الاكمه والابرص والآية لكونها دليل الكمال تنفى نقيصة الزنا وولديته فإن قيل كيف كانوا يسارعون في الخيرات راغبين راهبين خاشعين مع اختلافهم في الاعتقادات والأعمال قيل
(إِنَّ هذِهِ) الطوائف (أُمَّتُكُمْ) أي أهل اعتقادكم في الاصل إذ كانوا (أُمَّةً واحِدَةً) في الاصل كيف (وَأَنَا رَبُّكُمْ) الذي رباكم بالأمر بالاعتقادات (فَاعْبُدُونِ) بامتثال ذلك الأمر ولا تعبدوا آراءكم الفاسدة فيها
(وَ) لكن (تَقَطَّعُوا) أي اقتسموا (أَمْرَهُمْ) في الاعتقادات لوقوع التنازع (بَيْنَهُمْ) لكنه مرتفع لو رجعوا إلى الدلائل النقلية والعقلية ولا بد من الرجوع إليها إذ (كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ) نسألهم عما اعطيناهم من تلك الدلائل وأما باب العمل فانه وان كان