تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 39
فيه ناسخ ومنسوخ فلا ضرر فيه فانه
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ) في عصره وان كان ناسخا لما قبله أو منسوخا بما بعده (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) يعترف بكل ما أمر به في عصره وان خالف أمر عصر آخر (فَلا كُفْرانَ) أي لارد (لِسَعْيِهِ) الذي سعى به إلى ربه وان كان مخالفا لما قبله أو بعده كيف (وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) على أهل كل عصر فلا يمكنهم مخالفة ما كتبنا عليهم في العمل
(وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها) بأن أوقعنا في قلوبهم تغيير الشرائع أورد الناسخ أو العمل بالمنسوخ بعد نسخه (أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) للجزاء لو فرض عدم رجوع غيرهم إذ لم يرجعوا إلى الحق
(حَتَّى إِذا) ظهرت اشراط الساعة وهو ما إذا (فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) أي سدهما (وَهُمْ) أي الناس (مِنْ كُلِّ حَدَبٍ) أي أرض مرتفعة فضلا عن المستوية (يَنْسِلُونَ) أي يسرعون الفرار تشخصت أبصارهم ودعوا الويل واعترفوا بالظلم
(وَ) إذا (اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) أي وعد الجزاء (فَإِذا هِيَ) أي القصة (شاخِصَةٌ) أي ذليلة بعد تفتحها استكبارا (أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) يقولون (يا وَيْلَنا) تعال الينا من غفلتنا عن الدين الحق اعتقادا او عملا (قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا) الأمر المرتب على فساد الاعتقاد والعمل (بَلْ) نبهنا عليه ولكن (كُنَّا ظالِمِينَ) بالتغافل والعناد وإذا شخصت أبصار هؤلاء ودعوا الويل فكيف حال عبدة الاصنام وقد كان الواجب أن يفعلوا ذلك في الدنيا إذ قيل لهم
(إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ) أي وقود (جَهَنَّمَ) وردوها لا لذنبهم بل ليتألموا برؤيتهم إذ (أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) وليعلموا قطعا انها ليست آلهة إذ
(لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها) لأن الالهية تقتضى غاية العزة وهي مكان غاية المذلة (وَ) لا سيما (كُلٌّ فِيها خالِدُونَ) فلا تتبدل ذلتهم بعزة أبدا لكن ذلة عابدى الاصنام اشدّ إذ
(لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ) أي تنفس شديد كنباح الكلب أو كنهيق الحمار (وَ) ليس على القلة بحيث لا يعبأ به بل من الكثرة بحيث (هُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ) كلاما يفهمونه غالبا ولما تلا عليه السّلام هذه الآية نقضه عبد اللّه بن الزبعرى بعزيز والمسيح والملائكة فقال تعالى انهم وان تحقق فيهم هذا السبب ولكن فيهم مانع هو سبق العناية الحسنى في حقهم
(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا) العناية (الْحُسْنى أُولئِكَ) الكمل في درجات القرب والعزة (عَنْها مُبْعَدُونَ) أي عن النار التي هي دار البعد والمذلة ويكون بعدهم بحيث
(لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) أي صوتها المدرك بحاسة السمع (وَهُمْ) لو لم يبعدوا لم يحسوا به أيضا إذ هم (فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ) من النعيم والكرامة (خالِدُونَ) لا يخلو لهم وقت يشتغلون فيه بسماع حسيسها وكيف يبالون له مع انهم
(لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) نقر الناقور أو ذبح الموت كيف (وَتَتَلَقَّاهُمُ) أي تستقبلهم (الْمَلائِكَةُ) مبشرين لهم (هذا يَوْمُكُمُ) المساعد لكم (الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) في الدنيا بقطع نعيمها طمعا في نعيمه وانما تعين هذا اليوم لهذا الوعد لأنه يوم انقطاع الأعمال لذلك كان
(يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ) التي تصعد إليها الأعمال فيكتب فيها فإذا انقطعت فيها طويت (كَطَيِّ السِّجِلِّ) الذي هو تمام الكتابة (لِلْكُتُبِ) فإن السجلّ سبب هذا الطى فهو انقطاع الأمر الدنيوى للانتقال إلى الأخروى ويكون على حسبه لذلك (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) فيعاد كل على هيئة الفطرة لو لم يغير وهو وان لم يجب علينا