تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 5
وترتيب آياته الذي يفتقر فيه إلى تأمل كامل وتدبر تام من ذى علوم كثيرة وباعتبار استقلالها بالنزول وعدم الارتباط في الظاهر مع اعتبار المعانى الحقيقية والمجازية والاشارات من شبهة الاشتقاق وغيرها والاستدلالات من جمع متفرقها أوضمها إلى الاحاديث النبوية أو القواعد العقلية أو الفوائد الكشفية* (الثاني) * الإنزال الايواء أو التحويل من علو إلى سفل كإنزال الجيش أو القطر ولما كانا بالحركة وليست الصفة الا بتبعية الموصوف إذا استقرت ولا حركة للّه ولا للمعنى القائم به ولا للعبارات الغير المستقرة فلا بد من التجوّز بأن يقال ظهر ذلك المعنى في القلم الأعلى بلبسة الحقائق المجردة للحروف ثم زاد ظهورها باللوح المحفوظ ثم لم يزل يزداد حتى وصل إلى سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقلبه أو يقال وصف بوصف حامله باعتبار حمله نفس المعنى أو الصور المحفوظة أو المكتوبة أو باعتبار قيام الالفاظ به ولو عند الاداء إلى المنزل عليه والسر في إنزال العبارات جذب القاصرين بما يناسبهم من الاصوات والحروف منها إلى ما يناسبه من معانيها وحقائقها كفعلنا بالحيوانات العجم تخاطبهم بما يناسبهم لكن هذا المنزل لما كان معجزا ظهرت به عظمته فكان أشد لليجذب إلى الكمالات باستفادة الاعتقادات والاحكام وعلوم المعاملة والمكاشفة وغيرها مما لا يتناهى* (الثالث) * الاستنباط قال عليه الصلاة والسّلام من فسر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار* قال الامام حجة الإسلام في الاحياء تحريم التكلم بغير المسموع باطل إذ لا يصادف السماع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الا في بعض الآيات والصّحابة رضى اللّه عنهم ومن بعدهم اختلفوا اختلافا كثيرا لا يمكن فيه الجمع ويمتنع سماع الجميع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والاخبار والآثار تدل على اتساع معانيه قال عليه السّلام لابن عباس رضى اللّه عنه اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل فلو كان مسموعا فلا وجه للتخصيص وقال عز وجل لعلمه الذين يستنبطونه وقال أبو الدرداء لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوها وقال علىّ رضى اللّه عنه لو شئت لا وقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب وقال ابن مسعود من أراد علم الأوّلين والآخرين فليثور القرآن وقال بعض العلماء لكل آية ستون ألف فهم وما بقى من فهمها أكثر وقال آخر القرآن يحوى سبعة وسبعين ألف علم ومائتى علم إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحد ومطلع وفى القرآن اشارة إلى مجامع العلوم وكل ما أشكل على النظار ففى القرآن رموز إليه فالنهى اما عن التأويل على وفق ما له من الرأى الذي لولاه لم يلح له كمن يلبس على خصمه بالتّمسك بآية على تصحيح بدعته مع علمه بأنه ليس بمراد وقد يكون له غرض صحيح يتمسك عليه بآية يعلم أنه ليس المراد منها كمن يدعو إلى مجاهدة النفس فيتمسك بقوله عز وجل إذهب إلى فرعون انه طغى ويشير إلى نفسه وقد تكون الآية محتملة فيميل فهمه إلى ما يوافق غرضه واما عن التسارع إلى الباطن قبل احكام الظاهر فانه كالبلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب هذا حاصل كلامه* وقال شارح التأويلات أجمعوا على استخراج معانيه بالرأى واختلفوا في التوفيق بينه وبين الاحاديث فقيل التفسير بيان سبب النزول