فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 47
لو كان مع الاستقامة لا مع الاخلال بالشرائع (فَإِذا وَجَبَتْ) أي سقطت (جُنُوبُها) على الأرض (فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ) أي الراضى بما عنده (وَالْمُعْتَرَّ) أي المعترض بالسؤال وذلك للإشعار بان النفس إذا سقطت اماريتها انتفع بها صاحبها والمهتدون وغيرهم لانتشار نورها في العالم وذلك لأنها إذا تسخرت في الفناء تسخرت للأرواح والقلوب في سائر الأمور وكما ان البدن تسخرت للذبح (كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ) لسائر الأعمال (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمة تسخيرها وتسخير أنفسكم لكم بعد اماريتها ثم أشار إلى ان هذه الفوائد لا تحصل من الذبح ولا من التصدق بل من التقوى فقال
(لَنْ يَنالَ اللَّهَ) أي قربه والبقاء به (لُحُومُها) المصدقة (وَلا دِماؤُها) المهراقة (وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ) فإنها تؤدى إلى ان ينفى دعوى الوجود لانفسها أو محبة ما سواه وذلك بتسخير أنفسكم للّه بالقياس على تسخيرها لكم إذ (كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ) لتسخروا للّه تسخرها لكم وانما طلب منكم هذا التسخر (لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ) من رؤية كل شيء مسخرا له (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) الذين يرون تسخر كل شيء له بل لا يرون ما سواه في كل ما يرونه وانما جعل اللّه ذبح الاضاحى منزلة ذبح النفس للدفع عنها
(إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) لذلك لا ينبغى لمن يسافر للحج أو الغزو او لطلب العلم أو الرشد ان يبالى بمن يخون في أهله أو ماله بل ينبغى ان يتوكل على اللّه في دفعه لأنه محبوب اللّه وحق المحب ان يدفع عن محبوبه عدوّه والخائن عدوه (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ) يبالغ في الخيانة حتى انه يخون أحباء اللّه كيف وهو متصف بوصف (كَفُورٍ) لأنه يصرف نعم اللّه في إيذاء أحبابه فإن زعموا ان اللّه تعالى لو دفع عن المؤمنين لدفع عن المقاتلين قيل
(أُذِنَ) أي أعلم على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم (لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ) أولى بالدفع عنهم لأنهم تحقق كونهم (ظُلِمُوا وَ) الأوّلون ربما لم يتحقق الظلم عليهم (إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) فحقه ان لا يترك مقدوره سيما وقد ظلموا من أجله لأنهم
(الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) أي بغير سبب موجب حقية (إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) فانه لو صح موجبا لكان إخراجهم بحق (وَ) كيف لا ينصرهم وقد اقتضت الحكمة نصرهم فانه (لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ) أي الكافرين (بِبَعْضٍ) أي المؤمنين (لَهُدِّمَتْ) أي خربت باستيلاء الكافرين (صَوامِعُ) للرهبان (وَبِيَعٌ) للنصارى (وَصَلَواتٌ) أي كنائس لليهود (وَمَساجِدُ) للمسلمين وكيف لا يدفع عنها وهي مبنية لاجله إذ (يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) فاقتضت الحكمة ان تكون محل عنايته (وَ) كيف لا ينصرهم وقد أقسم (لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ) من المؤمنين (مَنْ يَنْصُرُهُ) أي دينه بالغيب أي مع غيب جزائه فلو لم ينصره ربما لم يبالوا بالجزاء كيف ولا مانع له (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ) على نصره لأنه (عَزِيزٌ) لا يمانعه شيء ولذلك سلط المؤمنين على صناديد العرب والا كاسرة والقياصرة وكيف لا ينصرهم مع انهم
(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ) التصرف (فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ) الشاغلة للقلوب والالسن والجوارح بذكر اللّه والتذلل له (وَآتَوُا الزَّكاةَ) المطهرة عن محبة الغير (وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ) الذي