تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 61
يقتضى غضبا على المشركين يقرب عقابه منهم بحيث يخاف أن يلحق من يصاحبهم في الدنيا لذلك قال
(قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي) أي ان تحقق اراءتك اياى(ما يُوعَدُونَ
رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)فإن مقتضى تربيتك اياى بوجوه التربية ان تميزنى عنهم مع تحقق المميز الذي هو ظلمهم
(وَ) ليس ذلك بطريق المبالغة في التخويف بل يجب ان يخاف ذلك على التحقيق (إِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ) لكنا لا نريك بل نمنعك ان تدعو عليهم بذلك بل
(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي المناظرة المشتملة على المقدمات الواضحة (السَّيِّئَةَ) من شبهاتهم فانا نعلمك ما يزيل عن قلوبهم ما يصفون به ربهم (نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ) به ربهم ما يندفع بالمقدمات القطعية
(وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ) أي وساوس (الشَّياطِينِ) في قطعية تلك المقدمات فتزعم انه ما من مقدمة الا ويحتمل ان يعترض عليها بوجه من الوجوه
(وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) فيمنعوا من الالتفات إلى تلك المقدمات بالكلية بان يشتغل عنها يامر آخر
(حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) الكاشف عن مدلولها (قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) أي ارجعنى قالوا ولتعظيم المخاطب فانه قد ظهر لى المدلول الذي فاتنى العمل بمقتضاه
(لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا) من الأعمال الباطنة والظاهرة وهو وان لم يتأت بعد الموت اجعلوه من لطفكم محسوبا (فِيما تَرَكْتُ) من العمر خاليا عنه فيقال له (كَلَّا) ارتدع عن طلب الرجعة ولكنه لا يرتدع عن طلب الرجعة (إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها) دائما (وَ) لا تقيدهم إذ (مِنْ وَرائِهِمْ) الذي بينهم وبين ما يريدون الرجوع إليه (بَرْزَخٌ) أي حجاب لا ينخرق (إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) وهو يوم نفخ الصور
(فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ) انخرق الحجاب فرجعت النفس إلى البدن للجزاء الحقيقى بعد الخيالى في البرزخ لكنه لما كان بلا واسطة الآباء (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ) حتى يتحمل بعضهم من بعض العقل (وَلا يَتَساءَلُونَ) ولا يسأل فيه بعضهم بعضا ليعطيه شيأ من ثوابه أو يتحمل شيأ من عقاب صاحبه فلا ينافى هذا قوله وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ولا القول بالشفاعة
(فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) أي موزونات أعماله الظاهرة والباطنة بان كان لها مقدار (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) بقدر ذلك ثوابا ودرجة
(وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ) بان لم يكن لأعماله مقدار (فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا) أي غبنوا (أَنْفُسَهُمْ) بتضييع كمالاتها ومن خفتها ثقل صاحبها فهم (فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ) ولخسرانهم الكمال المانع من شدة العذاب سيما من الوجه
(تَلْفَحُ) أي تحرق حرقا شديدا (وُجُوهَهُمُ) التي هي مجمع أكثر النعم من الحواس الظاهرة والباطنة وقد كفروا بها (النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ) تقلصت شفاهها فبلغت العليا وسط الرأس والسفلى السرة لوصول المطاعم والمشارب المكفورة أو المحرمة إليها أوّلا ويقال لهم انكم وان استحققتموه من غير اعلام فقد أعلمناكم بابلغ الوجوه
(أَلَمْ تَكُنْ آياتِي) القاهرة المكثرة (تُتْلى عَلَيْكُمْ) مرة بعد أخرى (فَكُنْتُمْ بِها) حال تلاوتها وبعدها(تُكَذِّبُونَ
قالُوا رَبَّنا)بالغت لنا في اعلام أسباب الشقاوة لكن (غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا) التي في استعدادنا (وَكُنَّا) مع وضوح تلك الآيات وكثرتها ودوام تلاوتها (قَوْمًا ضالِّينَ) لا نلتفت إليها
(رَبَّنا)