تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 63
بمقداره وجعل مقدماته بقدر ما يفيد الاعتدال (الرَّحِيمِ) بالاطلاع على ذلك بالتذكر من الآيات البينات
(سُورَةٌ) عظيمة محيطة ببيان التجليات الالهية ومقدماتها كتطهير النفس عن الرذائل بالحدود (أَنْزَلْناها) لتدل على نزولنا في التجليات بالمظاهر (وَفَرَضْناها) أي قدرنا لها ألفاظا محصورة مع ان معانيها لا تنحصر ليدل على أن التجليات بمقدار المظاهر وان التطهير بمقدار ما يفيد الاعتدال (وَ) لما لم يظهر هذا لكل واحد (أَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ) يطلع على ذلك بالتذكر (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ثم بدأ بالتطهير عن أخباث الرذائل وهي الزنا إذ يشق التطهير عنها لميل النفس إليها طبعا فقال
(الزَّانِيَةُ) قدمها لكمالها في ذلك إذ لا عقل لها كامل يمنعها الافراط في الشهوات (وَالزَّانِي) فانه وان كان دونها يستحق مثل ما يستحقها لكمال جنايته من عدم امتناعه من منع العقل الكامل اياه (فَاجْلِدُوا) أي فاضربوا بالجلد (كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) لتكون الضربات المؤلمة جزاء الضربات الملذة اعتبر عدد اوسط الوسطى تقريبا على ان الاقصى تسمية وهو الالف يخاف معه الموت فاقتصر على الاوسط الذي هو غاية عدد العقود وزاد الشافعى في غير المحصن تغريب عام للحديث البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام وليس في الآية ما يدفعه فيكون ناسخا والمحصن مخصوص بالاجماع على ان حده الرجم وهو من أصاب في نكاح صحيح لتحقق سبب النسب في حقه فاقيم مقامه والزنا قاطع النسب فاقيم مقام القتل واعتبر فيه الحرية لأن حد العبد نصف حد الحر ولا يتنصف الرجم واعتبر البلوغ والعقل إذ لا جناية بدونهما (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ) أي رقة تعطلون بها ما وجب عليهما (فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فإن الإيمان به يوجب ترجيح أوامره على كل شيء (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فإن الإيمان به يمنع تعطيل الحدود المسقطة للعقوبة الأخروية (وَلْيَشْهَدْ) أي ليحضر (عَذابَهُما) أي إقامة الحد عليهما (طائِفَةٌ) أي جماعة أقلها ثلاثة زيادة في التنكيل واسقاطا للفضيحة الأخروية (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) إذ لا يعتد بقول غيرهم ولا بالاشتهار بينهم ثم أشار إلى التنفير عن مناكحتهما فقال
(الزَّانِي لا يَنْكِحُ) مع كمال الميل (إِلَّا زانِيَةً) لأن الجنس سبب الميل والالفة والمخالفة سبب النفرة (أَوْ) أخبث منها (مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها) بكمال الرغبة (إِلَّا زانٍ) لا يبالى بزنا امرأته (أَوْ) أخبث منه (مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ) النكاح أي نهى عنه تنزيها (عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) لأنه سبب الطعن في النسب وتعرض للتهمة وتشبه بالفساق ولو حمل على الحقيقة فلا يفسد العقد لأن الفساد لا يرجع إلى نفسه ولا إلى جزئه ثم أشار إلى زجر من ينفر عن نكاح المحصنات أو يوقع التنافر بينهن وبين أزواجهن
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ) أي يقذفون بالزنا (الْمُحْصَناتِ) الحرائر البالغات العاقلات المسلمات العفيفات عن الزنا (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ) على انهم رأوا مثل الميل في المكحلة خص هذا العدد لأن المتجرئ على تحقق هذه الهيئة لا يكون الا قليل الحياء ضعيف المروءة فاكد بتضعيف العدد (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً) لأنهم يقربون في ايذائهن من ضربهن بحد الزنا فنقص من حدها أقل من الربع الذي يقوم مقام الكل