تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 72
ربها (صَافَّاتٍ) ولا تفيدها عبادتها مثل ما تفيد العقلاء فضلا عن الإنسان الكامل وليس ذلك لجهلها بعبادتها أو معبودها بل (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ) أي دعاءه للّه (وَتَسْبِيحَهُ) له (وَ) لا لعدم اطلاع اللّه عليها لخفائها إذ (اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ) وإن كان خفيا عليهم وعلى غيرهم
(وَ) انما عبده الكل لأنه الملك إذ (لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) والملك معبود بالطبع (وَ) لا يردان من لا يحضر الملك لا يعبده إذ (إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) فهم في حكم الحاضرين بل حاضرون له دائما وان لم يحضر لهم حينا وان استبعد ان يكون لبعض العبادات فائدة دون البعض قيل لا يبعد على المختار
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا) أي يسوق بخارا هو مادة السحاب من البحار والجبال إلى الطبقة الباردة من الهواء مفرقا (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) أي بين اجزائه (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا) أي متراكبا بعضه فوق بعض ليبرد الاوسط بعون برودة المكان مع عدم وصول حرارة الشمس إليه ثم يجعل له فتوقا (فَتَرَى الْوَدْقَ) أي المطر (يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) أي فتوقه (وَيُنَزِّلُ) بردا (مِنَ السَّماءِ) أي من من جهة العلو (مِنْ جِبالٍ فِيها) أي من قطع عظام من السحاب كالجبال حصلت (مِنْ) افراط (بَرَدٍ) أي برودة (فَيُصِيبُ بِهِ) أي بالمطر والبرد (مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ) بمحض الاختيار ثم انه يكون بين اطباق السحاب ادخنة تحترق باصطكاك بعضها ببعض بحيث يحصل منها في تلك البرودة نار لها في تلك الظلمة ضوء (يَكادُ سَنا) أي ضوء (بَرْقِهِ) من افراطه (يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ) فاين هذه الحرارة من تلك البرودة المقتضية مطرا أو برودة وأين هذا النور من هذه الظلمات فكأنه يقلب الحار باردا والبارد حارا والمنير مظلما والمظلم منيرا كما انه
(يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ) المذكور الدال على محض الاختيار في اثناء استعمال الأسباب (لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ) فانه وان جعل العبادة سببا للثواب فانما تؤثر باختياره فالعبادة بمنزلة البخار واركانها بمنزلة الاجزاء وانضمام بعض انواعها إلى بعض بمنزلة الركام والثواب بمنزلة المطر واليقين بمنزلة البرد والشوق بمنزلة البرد يكاد يذهب بابصار صاحبه بالافناء ويحصل منه تقلب الصفات وقد تنقلب الطاعة معصية وبالعكس لكن الكل انما يحصل باختيار اللّه تعالى إذ يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء
(وَ) لا يبعد ان يجعل عبادة الكفار سببا لمعاقبتهم ويجعل عبادة المسلمين سببا لثوابهم فقد جعل الواحد سببا لأمور مختلفة إذ (اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ) مع اختلاف انواعها (مِنْ ماءٍ) أي من نوع واحد منه وهو النطفة ثم جعل لمشيها أسبابا مختلفة بل لم يجعل لمشى البعض سببا (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ) بلا آلة (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ) فله آلتان (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ) فله اربع الآت فعلم انه (يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ) من الأسباب والمسببات وما لا سبب له والأسباب انما صارت أسبابا بجعله اياها أسبابا فلا حاجة له إليها اصلا إذ (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) بالأسباب وبدونها بل لا اثر لها وان جرت السنة الالهية بالتأثير عندها وكذلك الاختلاف في باب العبادة اصلها امر واحد هو الاعتقادات ثم منهم من له عبادتان الصلاة