تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 76
يعطف على الضمير المجرور بدون اعادة الجار وذكر البواقى اجراء لها مجرى الواحد الا انه لما كانت ما عبارة عنها لم يذكر هناك ولما كان كالمتروك أتبعه ما بعده (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا) وإن وصل سؤر بعضكم إلى بعض فهو موجب للائتلاف (أَوْ أَشْتاتًا) وإن توهم منه تفرقة القلوب فيكفى لإزالتها السّلام كيف وقد كفى في دفع ما لا تخلو عنه المجالس من الكلمات التي هي مظنة المخاصمة ودخول البيوت من التهمة (فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا) على أهلها طلبا للسلامة (عَلى أَنْفُسِكُمْ) ولا يبعد افادته لها لكونه (تَحِيَّةً) منزلة (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فتكون (مُبارَكَةً) كثيرة الخير لنزولها من معدن الخيرات وأقل ما فيها أن تكون (طَيِّبَةً) تطيب نفوس السامعين (كَذلِكَ) أي مثل هذا البيان المشتمل على الفوائد والاحتراز عن المضار (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ما يعتنى بكم من رعاية المصالح ودفع المفاسد من غير وجوب عليه ثم أشار إلى ان الاختلاط الذي لا يتوهم فيه شيء من المضار هو الاختلاط مع اللّه ورسوله في ايثار جنابهما ومع المؤمنين في الأمر الجامع سيما مع الرسول فقال
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) الكاملون (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) إيمانا يوجب مزيد محبتهما على ما سواهما (وَ) يوجب محبة المؤمنين والاختلاط بهم في الأمر الجامع سيما مع الرسول بحيث (إِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ) كالصلاة جماعة والجمعة والعيد والحرب والمشاورة (لَمْ يَذْهَبُوا) لمهماتهم (حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) ترجيحا لجانبه على جانب مهماتهم (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ) وإن كانوا دون الصابرين معك (أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) إذا راعوا جانبهما بالاستئذان (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ) فانه وان كان دون الأمر الجامع (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) من علمت انه لا يطيق الصبر عن شأنه لا من علمت كمال صبره عند عدم إذنك له (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ) لأنهم وان راعوا جانبك لم يراعوا جانب الأمر الجامع (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) لهم ايثارهم بعض شؤنهم على الأمر الجامع لأنه (رَحِيمٌ) لعلمه بضعفهم ثم انه وان غفر ترك الأمر الجامع ورحم فلا تخالفوا أمر الرسول اعتمادا على ذلك
(لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ) أمره (بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) يجاب تارة دون أخرى لأنه واجب الطاعة لا يسقط بالانسلال عن جملة المدعو (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ) أي يتسللون قليلا قليلا عن الجماعة يلوذ بعضهم ببعض في الاستتار (مِنْكُمْ لِوإذًا) مخافة أن يلزموا المأمور به (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ) دعاءه ليخرجوا (عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ) في الدنيا (فِتْنَةٌ) أي بلية (أَوْ يُصِيبَهُمْ) في الآخرة (عَذابٌ أَلِيمٌ) ولا يبعد ذلك من اللّه إذ له ان يسلط على المخالف ما شاء من السموات والأرض
(أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ولا يسلط الا ما يناسب حال المخالف لأنه (قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَ) هو وان لم يعلمكم بمناسبة ما يسلطه عليكم في الدنيا يبينه (يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ) لأنه يطلعهم على عمله الغيبى (فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا) فينبئهم بما يناسب أعمالهم أن يسلط عليهم (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فيعلم ما يخفى وما يظهر ووقت ذلك فافهم* تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيدنا محمد وآله أجمعين