فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 100

إليها القرآن انما لا يكاشف لهم عن فضائله هذه لأنهم لا ينظرون فيها وان كانوا ممن يكاشف لهم عن العلوم الرياضية والطبيعية إذ (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ) التي يكتسبون بها تلك العلوم فإذا حصلت لهم (فَهُمْ يَعْمَهُونَ) أي يترددون فيها لا يخرجون عنها إلى ما فوقها

(أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ) من تزكيتهم (سُوءُ الْعَذابِ) في الدنيا بترك الملاذ فإن حصلت لهم فيها لذة المكاشفة بعذبوا بها في الآخرة إذ يخطؤن فيها ويتشوقون إلى صوابها ولا يجدون إليها سبيلا (وَ) لا يجدون شيأ من تلك العلوم ولا أجرها هنالك بل (هُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) لا يبعد أن يكون للقرآن هذه الفضائل مع انها تخفى على من لا يؤمن بالآخرة وان كوشف ببعض خواص الأشياء والعلوم الطبيعية والرياضية

(وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ) لا يكشف حقائقه الا على من علم استعداده لها (عَلِيمٍ) بالاستعدادات ومقاديرها ولذلك أعطاك الكشف بلا واسطة وأعطى موسى بواسطة النار إذ كانت مطلوبه له

(إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ) أي لامرأته وقد أخذها الطلق في ليلة مظلمة شاتية بطريق رجوعه من مدين ولا يعرف الطريق (إِنِّي آنَسْتُ) أي رأيت (نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ) من علامات الطريق أو وجدان عارف لها عندها (أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ) أي مقتبس من تلك النار لاصطلائكم (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) لدفع البرد وظلمة الطريق

(فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ) أي انه كثر خير (مَنْ) ظهر (فِي النَّارِ) افاضة (وَ) خير (مَنْ حَوْلَها) استفاضة فحصل له التجلى في مطلوبه فلذلك بقى في تجليه حجاب العزة وحصل في تنزيلك كمال العلم والحكمة (وَسُبْحانَ اللَّهِ) أي نزهه عن الصورة والمكان وان ظهر بكل صورة ومكان لاتصافه بوصف(رَبِّ الْعالَمِينَ

يا مُوسى إِنَّهُ)أي المنادى الظاهر في النار بهذه البقعة (أَنَا اللَّهُ) الجامع بجميع الصفات من الظهور والبطون فالبطون من العزة والظهور من الحكمة لانى (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وإذا بقى فيه حجاب العزة في هذه المرتبة فكيف في حق من لا يؤمن بالآخرة

(وَ) لبقاء حجاب العزة في حقه احتيج إلى معجزات قاهرة فقيل له (أَلْقِ عَصاكَ) اشارة إلى القاء كل ما يعتمد عليه مما سوى اللّه فانه معصية حالك (فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ) أي تتحرك بسرعة (كَأَنَّها جَانٌّ) أي حية صغيرة وان تصورت بصورة الكبيرة اشارة إلى سرعة تأثير المعصية كالسم مع عظم قدرها وان توهم صغرها (وَلَّى) وجهه عنها حتى صار (مُدْبِرًا) أي كما يدبر العاصى عن معصيته يوم يرى أثرها (وَلَمْ يُعَقِّبْ) أي لم يلتفت إلى عقبه لينظر هل تقصده الحية أم لا جدا في الفرار قلنا (يا مُوسى لا تَخَفْ) من غيرنا وأنت عندنا (إِنِّي لا يَخافُ) من كان (لَدَيَّ) من غيرى سيما (الْمُرْسَلُونَ) لأنهم لا يتمكنون من أداء الرسالة ما لم يزل خوفهم من المرسل ليهم فإذا خافوا وهم عند المرسل فكيف يمكنهم أداء الرسالة

(إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) بفعل ما لا يناسب حاله فانه لا يزال يخاف منى وان كان (ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا) وعلم انى امحو السيئة بالحسنة ولكن لا يبالى له لكونه (بَعْدَ سُوءٍ) ولا أبالى بسيآته (فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) بإعطاء جزاء الحسنة وراء محو السيئة وبعد الأمر بما يشير إلى القاء المعصية أمره بما يشير إلى ادخال أعمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت