تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 117
بالالتفات كما يفعله التائب من الذنب (يا مُوسى أَقْبِلْ) إليها اقبال التائب الينا (وَلا تَخَفْ) من امساكها كما لا يخاف التائب من عقاب الذنب (إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) من أن يؤذيك شيء إذا كنت عندنا كما يأمن العامل من ضرر المعاصى التي تاب عنها ثم قال له
(أَسْئَلَكَ) أي ادخل (يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) أي ابطك (تَخْرُجْ بَيْضاءَ) أي منيرة (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي عيب كما يدخل العامل نور الأعمال في القلب ليخرج إلى الظاهر (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ) أي يدك (مِنَ الرَّهْبِ) أي من خوف شعاعها ضم المعجب عمله إلى توفيق اللّه تعالى خوف الاعجاب فالعصا واليد البيضاء وان كانتا اشارتين إلى المعاصى والطاعات (فَذانِكَ بُرْهانانِ) على رسالتك الآمرة بالقاء المعاصى واكتساب الطاعات لكونهما (مِنْ رَبِّكَ) إذ لا يقدر عليهما غيره ولا يبعد ذلك لأنه استحق الارسال (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ) لأنهم المنغمسون في المعاصى التاركون للطاعات (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ) أي خارجين عن أمر اللّه ونهيه
(قالَ رَبِّ إِنِّي) وإن أمنت الحية والشعاع صريحا والمعاصى والعجب اشارة لا آمن القتل والتكذيب من هؤلاء المبالغين في الفسق انى (قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا) وهم وان عفوا عن المقتول الاجنبى فلا يعفون عن المقتول منهم (فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) إذ لا يمنعهم من ذلك كونى رسولا منك لفسقهم وإذا قتلت فمن يؤدى رسالتك
(وَ) لو لم يقتلونى لا يتم اداؤها منى مع لكنة لسانى فلا بد من تكميلها بفصيح وأولى من يكمل به اخى إذ (أَخِي) المعين لى طبعا (هارُونُ) القائم مقام أبى لكبره (هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا) فيكون أحسن بيانا ولا يتحمل ذلك ما لم يكلف بمثل ما كلفت به (فَأَرْسِلْهُ مَعِي) لا بطريق الاستقلال بل (رِدْءًا) أي معينا وأقل اعانته إنك ان أرسلته (يُصَدِّقُنِي) تصديقا يفيد نشاط القلب (إِنِّي أَخافُ) ضيق صدرى من (أَنْ يُكَذِّبُونِ) أي يتفقوا على تكذيبى المؤدى إلى انواع الاذبات
(قالَ سَنَشُدُّ) أي سنقوى (عَضُدَكَ) الذي تقوم به باطشة بيانك (بِأَخِيكَ) أي باعانة اخيك (وَ) إذا قوى بيانك (نَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا) أي مهابة في قلوبهم (فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما) بإيذاء فضلا عن القتل بل (بِآياتِنا) المصدقة لبيانكما المكثرة أتباعكما (أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا) وإن لم تكن له آية ولا سلطان (الْغالِبُونَ) عليهم وان غلبوكم وغلبوا العالمين قبل ذلك إذ يخافون انهم لو ظلموكم ان يغضب عليهم من آتاكم بتلك الآيات فيهلكهم بالكلية
(فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى) الذي عرفوا تنزهه عن الكذب وسائر الخبائث (بِآياتِنا) التي لا تلتبس بالسحر لكونها (بَيِّناتٍ) بل يغلب بها السحرة وغيرهم (قالُوا) اخفاء لمغلوبيتهم عن قوة فسقهم (ما هذا) الذي أتى موسى به عبر عنه بالاشارة القريبة للمفرد استهانة بها (إِلَّا سِحْرٌ) وانما عجز عنه السحرة لأنه (مُفْتَرىً) أي مبتدع لم يسبق له نظير (وَ) يدل على كونه سحرا انا (ما سَمِعْنا بِهذا) أي بان للعالم إلها يرسل الرسل بالآيات (فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) وكذبوا فانهم قد جاءهم يوسف ومن قبله من الرسل جاؤا آباءهم أو معاصريهم
(وَقالَ مُوسى) كفى دليلا على كونها آيات أنها خوارق لم يسبق لها نظير مع ان ما جئت به هدى والساحر لا يدعو في العموم إلى هدى فإن لم تعترفوا بكونه هدى (رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ) وإن لم يكن من عند آبائهم (وَ) يعلم ذلك بالعاقبة فإن اللّه يحسن عاقبة أهل الهدى لا محالة