تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 116
وأمانتك ما يقوى المودة ويجذب القلوب (أَنْ أُنْكِحَكَ) من شئت من (إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ) المرأتين لك (عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي) على ان تصير اجيرى لرعى المواشى باجرة على ابنتى هي مهرها عليك (ثَمانِيَ حِجَجٍ) أي سنين (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ) أي فالزيادة فضل من عندك وهذا فعل العقل ان يزوج القلب والنفس اللوامة أو النفس المطمئنة لرعاية الاعضاء ويصحبه في صعوده الافلاك المكوكبة وما فوقها إلى اللوح المحفوظ الذي هو قلب العالم الكبير (وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ) بتحصيل نفقة لك أو لزوجتك ولا بتزويج امرأة سيئة الخلق أو مائلة إلى الفسق (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) والصالح يسرى اثره إلى أولاده وهذا فعل العقل دفع مشقة الأعمال برؤية العواقب الحميدة لها وهو مائل إلى الاصلاح ما خلى وطبعه
(قالَ ذلِكَ) الشرط قاطع للنزاع (بَيْنِي وَبَيْنَكَ) فلا نزاع في شيء آخر بعد ذلك حتى انه لا نزاع في الاجل بل (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ) أي اتممت (فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ) بطلب الزيادة على ثمان أو الخروج بالأهل قبل عشر وهذا مطلوب القلب من العقل قطع النزاع وجلب المنافع ودفع المضار (وَ) ليس الوفاء بالوعد مقدور النابل (اللَّهُ عَلى) وفاء وعد (ما نَقُولُ وَكِيلٌ) أي قائم وهذا ما عليه القلب الكامل من اعتقاد توحيد الأفعال وانما ذكرنا هذه الأمور لقول موسى عليه السّلام عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل وليكون مقدمة لتجليه الآتى من بعد ثم أمر شعيب عليه السّلام بعصا يدفع بها السباع عن مواشيه فجاءت بعصا من آس الجنة حملها آدم عليه السّلام فتوارثها الانبياء عليهم السّلام فاعطاها موسى عليه السّلام ولما جعل اللّه تعالى وكيلا على ما يقوله وفقه اللّه لاتمامه ورقاه أعلى المقامات
(فَلَمَّا قَضى) أي تم (مُوسَى الْأَجَلَ) الاقصى (وَ) لم يترك امرأته عند أبيها تاكل عنده بعد الاجل بل (سارَ بِأَهْلِهِ) وفيه اشارة إلى أن القلب إذا سار مع النفس إلى الجانب العلوى كوشف بالانوار (آنَسَ) أي أبصر (مِنْ جانِبِ الطُّورِ) أي من الجهة التي تلى الطور (نارًا قالَ لِأَهْلِهِ) أي لامرأته التي احتاجت إليها للطلق في ليلة شاتية مظلمة وضلال الطريق وللخدام (امْكُثُوا) لئلا تبعدوا عنى عند ذهابى إلى النار (إِنِّي آنَسْتُ نارًا) فأذهب إليها (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ) من الطريق من ضوئها أو ممن عندها (أَوْ جَذْوَةٍ) أي عود غليظ فيها شيء (مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ) بجمع الحطب معها (تَصْطَلُونَ) أي تستدفؤن
(فَلَمَّا أَتاها) أي قرب منها (نُودِيَ مِنْ شاطِئِ) أي جانب (الْوادِ) أي الذي منه الفيض (الْأَيْمَنِ) أي الذي عن يمين موسى المشيرة إلى قوة حاله (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ) أي التي كثر خيرها بالتجلى الالهى الجامع (مِنَ الشَّجَرَةِ) الجامعة للثمرات (أَنْ يا مُوسى إِنِّي) وإن كنت متجليا بهذه النار من هذه الشجرة بهذه البقعة غير مقيد بها بل (أَنَا اللَّهُ) الجامع للذات والاسماء باعتبار بطونها وظهورها في الكل من حيث انى (رَبُّ الْعالَمِينَ) وإن كانت الغلبة للاسم الذي هو رب موسى أو العزيز الحكيم على ما مر
(وَ) لشمول تجليك على الاسماء القهرية أمرت (أَنْ أَلْقِ عَصاكَ) المشيرة إلى المعاصى التي تضرب بها من أجلها والى أنها حيات سريعة التأثير في الباطن (فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ) أي تتحرك (كَأَنَّها جَانٌّ) أي حية صغيرة في سرعة الحركة (وَلَّى) وجهه عنها (مُدْبِرًا) أي جاعلا ظهره إليها (وَلَمْ يُعَقِّبْ) أي لم يرجع إليها