تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 115
كما هو سبب الحياة الظاهرة
(وَ) هو انه (لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ) أي نزل قريبا من بئرها (وَجَدَ عَلَيْهِ) أي على شفير بئرها (أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) مواشيهم سقى أكثرهم قواهم الحيوانية مياه اللذات الحسية سابقين إليها مستعظمين بها (وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ) أي في مكان أسفل منهم (امْرَأَتَيْنِ) ابنتى شعيب عليه السّلام (تَذُودانِ) أي تمنعان مواشيهما الماء منع اللوامة والمطمئنة للقوى الحيوانية من تلك اللذات او لا ليتذلل للّه ولا يشتغل بها عن اللّه (قالَ ما خَطْبُكُما) أي شأنكما في الذود (قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ) أي يصرف الرعاة مواشيهم عن الماء كراهة ازدحام الرجال وكان حقنا ان لا نأتى مكانهم لكن اضطررنا إليه إذ ليس عندنا رجل سوى ابينا (وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ) بلغ غاية الكبر فيعجز عن الخروج والسقى وهذا فعل اللوامة والمطمئنة في إعطاء اللذات الحسية بعد رعاية الأعمال وصرف القوادح وترك الاعتماد على صرف العقل لها
(فَسَقى) مواشيهما من بئر أخرى كان عليها صخرة لا يطيق حملها الا جمع فاقتلعها مع ما به من الجوع والوصب وجراحة القدم (لَهُما) من غير أجر (ثُمَّ تَوَلَّى) أي عدل (إِلَى الظِّلِّ) أي ظل شجرة من شدة الحر (فَقالَ رَبِّ) أي يا من ربانى بهذه القوة (إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ) طعام أو قوة (فَقِيرٌ) وهذا فعل القلب يسقى القوى الحيوانية مياه الأعمال ثم الميل إلى الظل الالهى للتخلق بأخلاقه ثم استنزال فيض الأحوال والمقامات بالافتقار إليه ولما استفاض من اللّه الخير بعث إليه من يدعوه إلى اخذ الاجر
(فَجاءَتْهُ إِحْداهُما) الكبرى صفورا أو صفيرا أو الصغرى ليا أو صفرا مجيء المطمئنة أو اللوامة إلى القلب (تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ) وضعت كم درعها على وجهها فعل اللوامة أو المطمئنة استحياء من اللّه (قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ) أي يطلبك (لِيَجْزِيَكَ) ليعطيك (أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا) دعوة المطمئنة واللوامة إلى طلب الاجر من التلذذ بالعالم العقلى فاجابها ليتبرك بالشيخ ويستظهر بمعرفته لا طمعا في الاجر وكره موسى النظر إلى عجزها فقال لها امشى خلف ظهرى ودلينى على الطريق برمى الحجارة إذا أخطأت (فَلَمَّا جاءَهُ) أتاه بالعشاء وقال له تعش فقال موسى نعوذ باللّه انا من أهل بيت لا نبيع الدين بالدنيا فقال شعيب هذه عادتنا مع كل من نزل بنا فإن من فعل معروفا فاهدى إليه لم يحرم عليه (وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ) أي أخبره بجميع ما جرى عليه من ولادته إلى أمر فرعون بقتله (قالَ لا تَخَفْ) من قتل فرعون لانك (نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) بالخروج عن حد ولايتهم وهكذا القلب إذا خرج من حد صفات النفس ينجو من غوائلها ولما امتنع من أخذ الاجر على العمل للّه عرض عليه أخذ الاجر على كسبه إذ
(قالَتْ إِحْداهُما) وهي التي استدعته (يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) أي اجعله اجيرك ليرعى غنمك فانه حقيق بذلك (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ) أي من أردت جعله أجيرا (الْقَوِيُّ) على العمل الذي صار فيه اجيرا وقد قوى على اقلال صخرة لا يقدر عليه الا جماعة (الْأَمِينُ) لا يخون في محل العمل وقد أمرنى بالمشى خلفه وهذا كأمر اللوامة والمطمئنة بالكسب عند القوة عليه مع الامانة فيه باستعمال قوة الصبر والامانة في رعاية الاركان والشرائط والسنن والآداب في العمل ولما رآه مستنكفا عن أن يصير أجيرا لما فيه من الاستهانة ضم إليه تعظيم تزويج الابنة حيث
(قالَ إِنِّي أُرِيدُ) لقوتك