تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 134
لضعفها ولا تدخر شيأ لغد (اللَّهُ يَرْزُقُها) لا أربابها لو كان لها أرباب (وَإِيَّاكُمْ) لا ما تسببتم (وَ) كيف لا يرزقكم إذا توكلتم عليه مع انه (هُوَ السَّمِيعُ) لما في قلوبكم من التوكل عليه ولو لم تتوكلوا فلا يترك رزقكم أيضا لأنه (الْعَلِيمُ) بفضلكم على سائر ما يرزق من الدواب
(وَ) كيف لا يخص بالرزق من هو خالقه وخالق جميع أسبابه وأصوله بلا خلاف لانك (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ) التي منها الامطار (وَالْأَرْضَ) التي منها النبات (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ) التي منها النضج (وَالْقَمَرَ) الذي منه الانماء (لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ومع اعترافهم بذلك يطلبون الرزق من غيره (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) أي يصرفون منه إلى الغير ولو قيل ان تكثيره وتقليله بيد غيره يقال
(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ) من مباشرى الأسباب وغيرهم فلا ينظر إليها بل إلى كونه (مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) ليعلم انه محض فعله لا أثر فيه لغيره ومع ذلك لا يفعل على سبيل التحكم بل بمقتضى الحكمة (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَ) كيف ينسبون بسط الرزق إلى غيره وهو من كثرة الزراعة وهي من إنزال الماء واحياء الأرض مع انك
(لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ) بإخراج النبات (مِنْ بَعْدِ مَوْتِها) باليبس (لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) أي جميع المحامد للّه إذ بيده أصل الرزق وبسطه (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) أي لا يعرفون استعمال الدلائل النقلية فينسبون بسط الرزق إلى غيره على ان الغير انما بسط عليك إذا شرح اللّه صدره لبسطه عليك فهو الباسط عليك بالحقيقة
(وَ) لو منع اللّه طالب الرزق منه لاعطاه بدل ما ليس بشيء ما هو أجل الأشياء فانه (ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ) أي اشتغال بغير اللّه وكفى به خسة (وَ) ما يشغل عنه فهو لدناءته بمنزلة ما هو (لَعِبٌ) أي شيء يلعب به الصبيان (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ) أي الحياة الحقيقة التي لا يطرأ عليها الموت ولا ما يشبهه من الاحزان والآلام فيرضون بهذا البدل (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) الحقائق ثم انهم انما بطلبون الرزق من غير اللّه إذا كانوا في البر
(فَإِذا رَكِبُوا) لطلبه (فِي الْفُلْكِ) المخطر (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) لعلمهم انه لا ينجيهم من الغرق سواه (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ) عن ذلك الخطر بان جاء بهم (إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ) أي فاجؤا المعاودة إلى الشرك لا لفائدة تحصل لهم فيه بل
(لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ) من نعمة النجاة وربح التجارة (وَلِيَتَمَتَّعُوا) باهواء النفس عن ترك عبادة اللّه ومنع حقوقه (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) عاقبة كفرهم وتمتعهم
(أَ) يطلبون النجاة في البحر منادون البر (وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا) المنجون في البر ايضا (جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا) ينجى من التخطف (وَيُتَخَطَّفُ) أي يختلس (النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ) يتوهمون ان رزقهم من آلهتهم وان كان الامن من اللّه (فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ) أي بسط الرزق (يَكْفُرُونَ وَ) ان زعموا ان اللّه فوض الرزق إلى الآلهة يقال
(مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ) قالوا ان اللّه لا يستقل بهذه الأشياء بدون استعانة الآلهة يقال من أظلم ممن (كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ) وإن لم يكونا أظلم فلا أقل من الكفر المخلد في النار (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً) أي موضع إقامة (لِلْكافِرِينَ وَ) ان زعموا انهم كوشف لهم ذلك عن المجاهدة يقال انما وقعوا في ذلك لأنهم لم يجاهدوا فينا إذ
(الَّذِينَ