تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 136
الحكيم العليم (السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا) ليكمل علمهم (بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى) وليس ذلك اتعا بالنظر هم من غير عاقبة بل ليلقوا ربهم (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) المدعين العلم بالظواهر والبواطن (بِلِقاءِ رَبِّهِمْ) من ظواهر المعقولات الأخروية (لَكافِرُونَ أَ) ينكرون تلك العاقبة الأخروية وقد عوقب منكروها في الدنيا
(وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) هل كانت لضعفهم في التصرف الدنيوى أو لعدم اثارتهم الأرض أو تعميرها بل (كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) في التصرف الدنيوى (وَأَثارُوا الْأَرْضَ) أي قلبوها لاستخراج المياه والمعادن وزرع البزور أكثر مما أثارها هؤلاء (وَعَمَرُوها) بالبناء والغراس (أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَ) لم تكن عاقبتهم من البليات العامة إذ (جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) لو آخذهم على تكذيبهم مع حقيقتهم في التكذيب لكان اللّه ظالما ولكن (فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا) بتكذيبهم الرسل (أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) بأسباب التعذيب فلم يزالوا على ذلك ولم يزل اللّه يتحلم عنهم
(ثُمَّ) لما حصل الياس الكلى عن رجوعهم (كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا) فاستمروا عليها الخصلة (السُّواى) وهل كانت اساءتهم غير (أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ) لم يكن ذلك لهوائها في أنفسها بل (كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ) ولم يتم أمرهم بهذه العاقبة السوأى بل تبدأ وتعاد إذ
(اللَّهُ) بمقتضى احاطته بالأشياء (يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) فيعيد العاقبة السوأى في البرزخ (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فيكون هناك عاقبة سوء المعاد أيضا
(وَ) هذه لا تنقطع لمصادفتها يومها لذلك (يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ) أي ييأس (الْمُجْرِمُونَ) عن انقطاع سوآهم
(وَ) لا سيما إذ ظهر لهم انه (لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ) بل صاروا أعداءهم (وَ) لذلك (كانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ وَ) هؤلاء وان رجعوا بترك الشرك إلى مكان التوحيد لكنهم
(يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) الموضوعة للتفرقة بين المحقين والمبطلين (يَوْمَئِذٍ) وإن جمعهم الحشر (يَتَفَرَّقُونَ) فيصير كل فرقة إلى مكان يناسبه
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ) أي أرض ذات أزهار وأنهار (يُحْبَرُونَ) أي يسرون سرورا يهلل وجوههم
(وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) باللّه (وَ) يكفى فيه ان (كَذَّبُوا بِآياتِنا) ففيه تكذيب اللّه (وَلِقاءِ الْآخِرَةِ) ففيه إنكار دوام ربوبيته عليهم (فَأُولئِكَ فِي) مكان (الْعَذابِ مُحْضَرُونَ) وانما وقعت هذه التفرقة في مقام التوحيد من اكتساب النور وعدمه فإن مقام التوحيد وان كان نورانيا كالشمس فلا بدّ لادراكه من نور ينزل منزلة نور البصر وأولى ما يكتسب به النور بعد الإيمان الصلاة ذات التسبيح المضاف إليه
(فَسُبْحانَ اللَّهِ) أي فصلوا للّه صلاة تتضمن التسبيح المضاف إليه (حِينَ تُمْسُونَ) وقت المغرب والعشاء اللذين يبتدئ فيهما الحجاب الظلمانى ويكمل لئلا يحجبوا بالحجب الظلمانية (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) وقت الصبح الذي يبتدئ فيه النور الحسى لئلا يحجبوا بالحجب النورانية
(وَ) لكونهما وقت الحجب الظلمانية والنورانية يقع (لَهُ الْحَمْدُ فِي) أهل (السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) طلبا لكشفها (وَعَشِيًّا) وقت العصر وقت انتقاص النور لئلا ينقص النور الكامل (وَ) هو الحاصل