تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 140
آى فاجا الشرك فريق منهم إذ ينسبونها إلى متابعتهم
(لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ) أي بالسبب الذي آتيناهم الرحمة من أجله وهو الانابة لكنه بهذا الكفر لا يسترده (فَتَمَتَّعُوا) به أياما لتزدادوا اثما فتستحقون به انتقاما مع انتقام الكفر فإن لم تعلموه الآن (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) اعلموا صحة متابعة رؤسائهم بدليل العقل
(أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا) أي حجة نقلية (فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) بأنه شريك اللّه يحكم في مقابلة حكمه
(وَ) كما ان اعتقاد كون الرؤساء حكاما من دون اللّه شرك كذلك نسبة الرزق إليهم أو إلى كسب النفس من ذلك (إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً) سعة رزق (فَرِحُوا بِها) فزعموا انها من سلاطينهم أو أكسابهم (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) ضيق رزق (بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي بسبب معصية سابقة (إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) أي يبأسون من روح اللّه
(أَ) يفرحون أو يقنطون (وَلَمْ يَرَوْا) أي لم يعلموا علما يشبه الرؤية (أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ) بالخصب في مزرعته أو بالاطلاع على الكنز أو الربح في تجارته أو بشرح قلب السلطان عليه (وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فمنها ان الرزق لو كان بالكسب لاستوى صاحب الخصب والقحط والمسافرون للتجارة وخدام السلاطين ومنها ان اللّه يبسط التوفيق على البعض ويقبضه على البعض لأنه رزق أخروى ومنها انه يبسط المعارف لمن يشاء ويقبضها على البعض وانما بسط الرزق على البعض لينظر هل يصل الرحم أو يقوم بالحوائج أو يوصل إلى المقاصد
(فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) من صلة الرحم (وَالْمِسْكِينَ) حقه في القيام ببعض حوائجه (وَابْنَ السَّبِيلِ) حقه في ايصاله إلى المقاصد (ذلِكَ) الايتاء (خَيْرٌ) من ادخار المال (لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ) بأموالهم (وَجْهَ اللَّهِ) أي رضوانه (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) بفوائد المال الحقيقية
(وَ) ارادة وجه اللّه انما تكون بالايتاء على الوجه المرضى له لذلك (ما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا) فانكم وان قصدتم به الصلة والقيام بالحوائج والايصال إلى المقاصد بل ما فوق ذلك (لِيَرْبُوَا) أي ليزيد (فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا) أي فلا يزيد نفعا يعتد به (عِنْدَ اللَّهِ) بل هو مضر عنده للمعطى والآخذ (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ) فانه وان كان كأداء الدين لا يستحق عليه العوض لكنكم (تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) أي رضاه (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) فوائد أموالهم إذ يحفظ به الباقى ويعوض المعطى بسبعمائة ضعف فصاعدا وكيف يراد به وجه الغير ولا يجب شكره بوجه وانما يجب شكر اللّه من جميع الوجوه إذ
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) فيقتضى شكرا بالاحسان إلى خلقه (ثُمَّ رَزَقَكُمْ) فيقتضى شكرا بأن ترزقوا عباده (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) وهو يقتضى اماتة محبة الغير (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) وهو يقتضى احياء أوامره ونواهيه (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ) الذين تريدون وجوههم في الزكاة أو سائر الأعمال (مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) فيستحقون ارادة وجوههم باعتبار ذلك الشيء تنزه عن الشرك (سُبْحانَهُ) أي تنزهه الكامل (وَتَعالى) رتبته (عَمَّا يُشْرِكُونَ) ولما كان هذا فسادا في الاعتقاد والأعمال
(ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ) بالجدب والكساد (وَالْبَحْرِ) بالغرق ومحو ما فيه من الاطعمة والجواهر (بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) من المعاصى وان كانت