تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 148
لشيء كن في وقت كذا ثم يوجد بذلك الايجاد في ذلك الوقت وغايته انه يتوقف على العلم بالشيء وبوقته وقد علمت (أَنَّ اللَّهَ) عليم بكل شيء حتى الجزئيات الزمانية المنسوبة إلى الخلق فانه (بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ذلِكَ) أي علم الحق بالجزئيات الزمانية من غير تغير في علمه
(بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) فيكون علمه حقا بان الشيء الفلانى موجود في الوقت الفلانى وان ذلك الوقت موجود قبل الوقت الفلانى وبعد الوقت الفلانى فلا يختلف باختلاف الأزمنة (وَ) انما يختلف في حق الغير لتغيره بحسب الأزمنة من بطلانه في نفسه حتى (أَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَ) كيف يكون زمانيا مع (أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ) فلا يكون فوقه ما يحيط به بل لا يحاط بجانب من جوانبه لو فرضت له جوانب لأنه (الْكَبِيرُ) ثم غاية أمر الزمان انه يشتمل على فيوض الحق يوصلها إلى أهلها في كل وقت مثل النعم التي يشتمل عليها الفلك
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) الذي يناسب بحر الجود الالهى (بِنِعْمَتِ اللَّهِ) المناسبة لفيضه الازلى (لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ) تدل على ان الدنيا كمبدا السفر وان الآخرة كمنتهاه وان الناس على سفن الأعمال وانها الامتعة وان أفعال اللّه يترتب بعضها على بعض (لِكُلِّ صَبَّارٍ) ينتظر لكل فيض وقته (شَكُورٍ) بان كل فيض ممكن في كل وقت قد حصل بكماله فيه
(وَ) من آيات الفلك الدالة على التوحيد انه (إِذا غَشِيَهُمْ) أي غطاهم (مَوْجٌ كَالظُّلَلِ) أي الجبال او السحاب (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) لعلمهم انه لا قدرة للغير على الانجاء من الغرق (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ) من الغرق وأوصلهم (إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) أي آخذ بالصراط المستقيم لانزجاره (وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا) التي من جملتها الانجاء من الغرق بدعوة اللّه على إخلاص التوحيد (إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ) ناقض للعهد (كَفُورٍ) بكل نعمة حتى نعمة النجاة
(يا أَيُّهَا النَّاسُ) الذين نسوا العهود والنعم والآيات (اتَّقُوا رَبَّكُمْ) الذي نجاكم مما خوفكم من غشيان الموج في البحر (وَاخْشَوْا يَوْمًا) أشد من يوم غشيان الموج لأنه (لا يَجْزِي) فيه (والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ) مع افراط شفقته عليه شيأ بتحمل شيء من معاصيه أو إعطاء شيء من طاعاته (وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ) فيه (عَنْ والِدِهِ شَيْئًا) وإن وجب عليه شكره وهذا اليوم وان لم يكن معهود أ فلا يمنع الخوف منه لأنه موعود من اللّه (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) لكن يمنع من النظر فيه الاشتغال بالحياة الدنيا أو شبهات الشيطان الملقى لها في اللّه وما يتعلق به (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) أي الشيطان ومن غروره انه يلقى الشبهة في القيامة بانها مجهولة الوقت فلو وجدت لعلم وقتها فيقال يكفى في وجودها علم موجدها
(إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ) له نظير إذ (يُنَزِّلُ الْغَيْثَ) في وقته بعلمه من غير أن يعلم بوقته (وَ) كيف يشترط العلم بوقت الشيء مع ان غايته انه من صفات الشيء وكثيرا ما لا يعلم صفات الشيء مع العلم بتحققه فلا يعلمها الا من أوجدها لذلك (يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ) وكيف يعلم الساعة وهو من الأفعال المستقبلة للّه (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَدًا) وإن وجب ان يعلم الفاعل ما يفعله اختيارا فيكفى فيه سبقه بزمان لطيف (وَ) قد لا تعرف النفس حال صفاته كالمزاج متى يتغير فلا تعرف متى تموت بل (ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) وكل ذلك