فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 147

فلا يمكنهم من التأثير فيمن أسلم وجهه إليه وهو محسن

(وَمَنْ كَفَرَ) فزعم ان لا رجوع إلى اللّه وانه مستقل بالتأثير فله أن يمنع من التمسك بالعروة الوثقى لمن تمسك بدونه (فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ) إذ لم يكن عن شبهة فضلا عن حجة فكفره بالرجوع لا يمنع من الرجوع بل (إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ) وكيف لا ترجعهم الينا وقد كفروا بنا وقصدوا اضلال عبيدنا عنا وفعلوا معاصى فيما بيننا وبينهم وفيما بينهم وبين اخوانهم (فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا) من الأعمال الظاهرة والباطنة (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) وليس تمتيعنا اياهم من جهلنا بحالهم بل لعدم التفاتنا إليها إذ

(نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا) بمقتضى عموم رحمتنا (ثُمَّ) لما زادهم طغيانا وكفرا يصير عليهم مكرا لذلك (نَضْطَرُّهُمْ) إبطالا لدعوتهم الاستقلال (إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ) لا تحتمله قوّتهم

(وَ) كيف لا نضطرهم إلى عذاب غليظ على دعواهم مقاومة خالق السموات والأرض بعد اعترافهم بعجزهم عن خلقهما فانك (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) إذ لا يمكنهم القول باستقلال الغير ولا مشاركته في خلقهما (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) على اعترافكم بعجز ما سواه عن مقاومته فهذا يستلزم الاعتراف بالتوحيد ولكن لا يلزمه (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) لزومه وان زعموا ان الشركاء انما يقاومونه فيما هو ملكه واماما يملكونه فهم يقاومونه يقال

(لِلَّهِ) لا لغيره (ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) لأنه كما هو خالقهما خالق ما فيهما ولا يتصوّر الانتقال عن ملكه لأنه اما بالبيع وهو بالحاجة ولكن لا حاجة للّه (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ) أو بالهبة الناقلة وهي انما تكون لطلب الحمد لكنه (الْحَمِيدُ) بدون الهبة الناقلة لملكه بل يكفى له تسخيره للعبد وتسليطه عليه وبذلك يسمى وهابا

(وَ) ان زعموا انه وان لم يحتج إلى نقل الملك فهو يحتاج في ايجاد الأشياء الكثيرة إلى الشركاء لأنه وان أوجدها بكلماته فكلماته محصورة والأشياء لا تنحصر يقال ان كلماته أيضا لا تنحصر بحيث (لَوْ) فرض (أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ) مداد (يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ) أي يشيعه من بعد نفاد مائه المفروض مدادا (سَبْعَةُ أَبْحُرٍ) واحد بعد واحد فيكتب بها كلمات اللّه حتى نفدت وانكسرت الاقلام (ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ) التي بها أوجد الأشياء إذ لو نفدت لبطلت غلبته على بعض الأشياء وصارت للغير لكنها لا تبطل (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) فكيف يبطل عزته وهو (حَكِيمٌ) والحكيم لا يرضى ببطلان عزته ولو فرض ان كلمة اللّه واحدة فلا حاجة إلى الغير أيضا لأنه

(ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ) بالنسبة إلى كلمته الواحدة (إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ) أوجدها بالكلمة الواحدة فكذا يوجد الكل بها وان تأخر وجودها إلى أوقات وجودها وتخصصت باوصاف مخصوصة بحسب ما سمع من دعاء حقائقها وأبصر من استعداداتها (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) والايجاد في الازل لما يتأخر وجوده ليس بابعد من ادخال الابد في الازل وبالعكس وقد وجد نظيره

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ) قد وجد أيضا ما يشبه تكوينه في الازل ويتأخر وجوده إلى ما يشبه الابد فانه (سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) يوم خلق السموات واستمر تسخيرهما إلى يوم القيامة إذ (كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَ) لا يبعد أن يقول في الازل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت