تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 146
(السَّماواتِ أَوْ فِي) أسفلها كمركز (الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) أي يحضرها ليحاسب عليها (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ) ينفذ علمه وقدرته في كل شيء (خَبِيرٌ) يعلم كنه الأشياء فلا يعسر عليه
(يا بُنَيَّ) إذا كان اللّه مجاز يا على الذرات (أَقِمِ الصَّلاةَ) الشاغلة جميع أعضائك به ظاهرا وباطنا فهي جامعة لكمالاتك (وَ) لتكميل الخلق (أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) هذا في باب الأفعال (وَ) في باب الأخلاق (اصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ) وراء الصبر في الصلاة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (إِنَّ) جميع (ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) التي لا رخصة في الاخلال بشيء منها فهذه حقوق اللّه (وَ) في حقوق الخلق
(لا تُصَعِّرْ) أي لا تمل (خَدَّكَ لِلنَّاسِ) بتولية صفحة وجهك عنهم فخرا عليهم (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) أي خيلاء فهاتان وان كانتا من حقوق الخلق فاللّه تعالى يكرههما (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ) ولو بالمشى مرحا فكيف يحب كل (فَخُورٍ) حتى بتصعير الخد للناس ثم أشار إلى تسوية أفعال العادة بقوله
(وَاقْصِدْ) أي توسط بين الاسراع والدبيب (فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ) أي أنقص (مِنْ) رفع (صَوْتِكَ) فانه يقبح بالرفع حتى ينكره الناس إنكارهم على صوت الحمير (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) وكيف يرضى الإنسان برتبة الحمار وقد جعل فوق المخلوقات كلها
(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ) من الملائكة والكواكب (وَما فِي الْأَرْضِ) من المعدن والنبات والحيوان (وَ) جعلكم جامعين لاسرار ذاته وصفاته وأفعاله وأسرار العالم إذ (أَسْبَغَ) أي أكمل (عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً) من الحواس الظاهرة ومحالها ومحسوساتها (وَباطِنَةً) من الحواس الباطنة ومحسوساتها والعقل والمعقولات والروح والقلب والسر والخفاء وانما فعل ذلك لتعرفوه حق معرفته وتتقربوا إليه وتزدادوا كمالات (وَ) لكن (مِنَ النَّاسِ) الذين نسوا مرتبتهم وانعامات الحق عليهم (مِنَ) يتنزل إلى أدنى من رتبة الحمار إذ (يُجادِلُ فِي اللَّهِ) ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي دليل عقلى (وَلا هُدىً) أي دليل كشفى (وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) للعقل والكشف
(وَ) ليس ذلك لفقدهم الكتاب أو معلمه بل مع وجدانهما بحيث (إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ) في معارفه وأحكامه فانه أعلم بذلك كله وقد أنزلها في كتابه المعجز الجامع بين العقل والكشف (قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) فرجحوا تقليدهم على الدلائل العقلية والكشفية وعلى ما هو للبصر بمنزلة نور الشمس من غير اطلاع على حال من يقلدونهم (أَ) يتبعونهم (وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ) الذي هو عدوّهم (يَدْعُوهُمْ إِلى) اعتقادات وأعمال هي أسباب العذاب كأنه يدعوهم إلى عين (عَذابِ السَّعِيرِ) وإن زعموا ان الذي يأتيك بالوحى هو الشيطان يدعوك إلى عذاب السعير يقال ليس في دعوته ما يفضى إلى العذاب إذ حاصلها إسلام الوجه للّه والاحسان
(وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ) أي يخلص بوجهه في العبادة (إِلَى اللَّهِ وَ) لا يمنع منه توجهه في الظاهر إلى القبلة إذ (هُوَ مُحْسِنٌ) ناظر إلى اللّه لا إلى القبلة (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) أي الحبل الوثيق الموصل إلى اللّه المانع من السقوط في النار وهو خلاف دعوة الشيطان (وَ) لا يمنع منه عدم التفاته إلى الشركاء لأنهم لو كانوا مؤثرين فانما يؤثرون باللّه إذ (إِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ)