تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 169
سببه لأنه (هَلْ نُجازِي) ذلك الجزاء الشنيع (إِلَّا الْكَفُورَ) أي المبالغ في الكفر (وَ) من مبالغتهم في الكفر كراهتهم مبالغتنا في الانعام عليهم إذ
(جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ) موضع تجارتهم من الشام وهي (الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها) بتوسعة الارزاق الظاهرة والباطنة (قُرىً ظاهِرَةً) أي متقاربة يظهر بعضها لبعض فلا يخاف فيها من قاطع طريق (وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ) بمقدار لا يحتاج فيه إلى حمل الزاد ولا إلى شد الرواحل فهو يشبه سفر أهل الجنة من مكان إلى مكان من غير تعب وقلنا لهم على لسان أنبيائهم (سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا) لكونكم (آمِنِينَ) من الاعداء والحشرات والجوع والعطش
(فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ) قرى (أَسْفارِنا) لنحمل الزاد ونشد الرواحل منه فنتطاول على الفقراء (وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بحملها المتاعب وبمنعها الرفاهية (فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ) يتحدث بهم الناس تعجبا ويقولون في الامثال تفرقوا أيدى سبا (وَمَزَّقْناهُمْ) أي فرقناهم (كُلَّ مُمَزَّقٍ) أي بكل مكان كتفرق أهل القيامة بعد اجتماعهم فلحق غسان بالشام وانمار بالمدينة وجذام بتهامة والازد بعمان وليس ذلك مجرد تحديث بل (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ) على تفريق من يجرى مجراهم وجعلهم أحاديث مثلهم لكنها انما تكون نافعة (لِكُلِّ صَبَّارٍ) أي لا يطغى بالنعم (شَكُورٍ) لها وهم لم يصبروا عن الطغيان ولم يشكروا
(وَ) لذلك (لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) الذي يتضمنه قوله ولا تجد أكثرهم شاكرين وقوله ولاضلنهم فاضلهم بأن النعم ليست منه بل من الأسباب فإن كانت منه فلا يتأتى منه النقم (فَاتَّبَعُوهُ) في اضلاله (إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) عرفوا انه لا تأثير للأسباب بدونه وانه كما يقدر على الانعام يقدر على الانتقام
(وَ) الذين اتبعوه لم يتبعوه عن اكراه ولا عن حجة حتى يعذر وابل عن وسوسة فلا يعذرون بها لأنه (ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ) بالوسوسة (إِلَّا لِنَعْلَمَ) أي لنظهر علمنا لكل (مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ) فيهتم لرفع وسوسته ويتمسك بالحجج فينسب النعم إلى اللّه ليشكرها طلبا لجزاء الآخرة فيتميز (مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ) فلا يهتم لرفع وسوسته (وَ) لا يتأتى لصاحب الوسوسة التمسك بوسوسته في مقابلة الحجة لعدم تحفظه مقتضى الحكمة لكن (رَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) فيحافظ من حافظ نفسه بالحجج ولا يحافظ من لم يحافظها بل اتبع الوساوس فهذا حفظ لقاعدة الحكمة في حقه فهو حفيظ لما هو حقه فإن زعموا انهم يحافظون على الحجج ولا يبالون بالوساوس
(قُلِ) لا تحافظون على الحجج أنتم ولا من تدعونهم (ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) انهم آلهة (مِنْ دُونِ اللَّهِ) ليقيموا الحجج على الهيتهم فهل الهيتهم بالاستقلال مع انهم (لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) إذ الحادث لا يستقل بدون القديم أو بالمشاركة (وَ) لكن (ما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ) والا لم يستقل القديم بدون الحادث فلا يكون محدثا لهذا الحادث أو بطريق المعاونة (وَ) لكن (ما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) والا توقف ايجاده للحادث على عون الحادث فيكون معينا له قبل وجوده أو بطريق الشفاعة فإن لم تكن نافعة فلا عبرة بها
(وَ) ان كانت نافعة فلا شك انه (لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ) الا برضاه ولا يعرف رضاه (إِلَّا) باذنه