فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 64
رفعت بالكلية
(وَ) يدل على أن الواجب متابعة أمر اللّه لا غير أنه (لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها) أي لكل مصل من عباد الأمم جهة هو مول وجهه إليها امتثالا لامر اللّه إذ هو الخير عند تعارضه مع الفضل الذاتى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) أي فبادروا إلى تحصيل الخيرات من امتثال أوامر اللّه المفيد للسعادات الأبدية (أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) أي ففى أي جهة تكونوا من الجهات المأمورة يأت بكم اللّه إلى مقام قربه ولا يستبعد ذلك في الجهات الناقصة (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ثم أشار إلى أنه عز وجل وان أتى إلى مقام قربه كل متوجه إلى جهة أمر بها فلا تتوجه إلى أيّ جهة شئت مما أمر بها الأوّلون إذ لم تبق جهة بل
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) أي ومن أي مقام أولئك الانبياء خرجت من عهدته (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) لأنها الجهة الجامعة لفضائلها (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) الجامع ففيه فوائد سائر الجهات بل لم تبق جهات في حق أحد يأتى به إلى مقام قربه إذ صارت منهية (وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) من الأعمال المخالفة لامره الحاضر لموافقتها ما مضى من أمره ثم أشار إلى أنكم كيف لا تؤمرون بجهة الكعبة مع انكم على ملة ابراهيم فلو خالفتم قبلته لالزمكم الناس بمخالفتكم ملته فقال
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) عن كمال عهدة خلة ابراهيم (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ) من مراتبكم (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) بمتابعة نبيكم (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) بمخالفة ملة ابراهيم (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) فانهم لا يحتجون عليكم بذلك إذ يزعمون انها ليست قبلته بل قبلته الصخرة لكونه يهوديا أو نصرانيا في زعمهم (فَلا تَخْشَوْهُمْ) أن يقولوا خالفتم قبلة ابراهيم لأن هذا القول منهم يخالف ما تواتر من قبلة ابراهيم (وَاخْشَوْنِي) فلا تخالفوا أمرى بطعنهم ترجيحا له على أمرى (وَ) لو صح قولهم انها ليست قبلة ابراهيم فانما أمرتكم بها (لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) بالتوجه إلى أكمل الجهات المتضمنة للآيات البينات والامن (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) للصراط المستقيم بالتوجه إليها لاستلزامه التوجه إلى الباطن فتهتدون بهذه القبلة هداية كاملة
(كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ) أي كهدايتكم بارسالنا من مقام عظمتنا فيكم أيها الكمل رسولا كاملا (يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا) المنسوبة إلى عظمتنا مما تدل على ذاتنا وصفاتنا وأفعالنا واسرارنا (وَيُزَكِّيكُمْ) أي يزكى نفوسكم اعتقاداتها وأخلاقها وأعمالها (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ) الجامع للعلوم الظاهرة والباطنة (وَالْحِكْمَةَ) التي يتوصل بها إلى الحقائق (وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) بالنظر الجامع والاستدلال ويعلم سائر الكتب الالهية فالكعبة تتضمن هذه الأشياء لمن كوشف بحقيقتها وهي انما تحصل بالتوجه إلى اللّه والاستغراق في ذكره
(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) بإعطاء هذه الأمور (وَاشْكُرُوا لِي) لازيدكم منها (وَلا تَكْفُرُونِ) بدعوى الكمال لانفسكم إذا حصلت لكم تلك الأشياء ثم أشار إلى أن الذكر والشكر وترك الكفران انما يتم بالصبر والصلاة اللذين هما مقتضى الإيمان فقال
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا) لتحصيل تلك الأمور (بِالصَّبْرِ) عن المعاصى وعلى الطاعات (وَالصَّلاةِ) الجامعة لطاعة القلب واللسان والجوارح والناهية