تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 185
تُرْجَعُونَ) وأى شبهة لى في ترك عبادة الاصنام الذين تدعون إلى عبادتهم
(أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ) أي مع علمى بكونهم دون الفاطر المرجوع إليه (آلِهَةً) ليس لهم رد مراده بشفاعة فانه (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ) فلم يدخلنى في عموم رحمته ففرض شفاعتهم عنده لدفعه (لا تُغْنِ) أي لا تدفع (عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا) من ذلك الضرر (وَلا يُنْقِذُونِ) أصلا من ضره بقؤتهم من غير حاجة إلى الشفاعة
(إِنِّي إِذًا) أي إذا اتخذت من دونه آلهة مع علمى بأن الدون لا يستحق الالهية ولا يقبل شفاعته عند جزم الحق ارادة الضرر ولا قدرة له على الانقاذ (لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) فانى يتصوّر فيه الهداية حتى يبقى بها هدايتهم ولا أنصحكم على خلاف ما أنا عليه
(إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) فقتلوه فلم يتالم بقتلهم إذ
(قِيلَ) له قبل ان يموت (ادْخُلِ الْجَنَّةَ) لذلك لم تذهب شفقته على قاتليه حتى (قالَ يا) ايها المتمنى تعال(لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ
بِما غَفَرَ لِي رَبِّي)عما سلف من الكفر والمعاصى لا يمانى به فيؤمنوا فيغفر لهم (وَ) هم وان تركوا ذلك خوف المهانة بين قومهم فلينظروا إلى اكرام ربهم اياى إذ (جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) إذ قربنى من حضرته
(وَ) عجلنا له متمناه من علم القوم بما غفر له ربه وأكرمه لانا (ما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ) لئلا يدخل فيهم أولا (مِنْ جُنْدٍ) يهلك واحدا بعد واحد ولم نجعل سبب إهلاكهم (مِنَ السَّماءِ) إشعارا بقرب المهلك وانما توقف علمهم على إهلاكهم لامتناع كونه على السنة الرسل إذ لا يؤمنون بهم (وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ) أي لم يكن عادتنا إنزال الجند من السماء لإهلاك الاقوام وانما أنزلناه حيث أنزلنا لتشريف المنصور وابشاره واطمئنان قلبه
(إِنْ كانَتْ) أي ما كانت الخصلة المؤثرة في إهلاكهم (إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً) يظهر بها كمال القدرة في القهر (فَإِذا هُمْ خامِدُونَ) بمرة من غير تطويل في نزع الروح ثم انّ حصول متمناه باعلامهم لم يحصل لهم ضرا وانما حصل لهم حسرة حتى قيل
(يا حَسْرَةً) إذهبى فاستولى (عَلَى الْعِبادِ) الذين تركوا العبودية التي خلقوا من أجلها واستهزؤا بكل عزيز دعاهم إليها لأنهم (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ) فذل عندهم لاتيانه إليهم ولو رأوه في مكانه لالتجؤا إلى الإيمان به (إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) فاتخذوه عادة فيتحسبرون باستهزاء اللّه وملائكته بهم أبدا
(أَلَمْ يَرَوْا) أي ألم يعلم المستهزؤن بالخبر المتواتر النازل منزلة الرؤية (كَمْ) أي كثيرا (أَهْلَكْنا) بالقهر المنسوب إلى عظمتنا لاستهزائهم بالرسل (قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ) حتى كانت سنة مستمرة لنا يعتبر بها أيرون (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ) إلى حالهم (لا يَرْجِعُونَ وَ) ان تركوا فلا شك انهم يجتمعون للحضور عنده
(إِنْ) أي ان الشأن (كُلٌّ) من هؤلاء المتفرقين (لَمَّا) ما صلة اللام المؤكدة الداخلة على خبر الجملة الواقعة خبران ان قرئ بالتخفيف وان على هذا مخففة (جَمِيعٌ) أي لمجموعون إذ (لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) وإن قرئ لما بالتشديد فهو بمعنى الا وان نافية ولا يفعل في حق مجرم عذابا يتركه في حق غيره من غير ان يعفو عنه لكن ليس أهل الاستهزاء بأهل العفو الا ان يتوبوا قبل ان يتمكن منهم
(وَآيَةٌ لَهُمُ) تدل على حضور الجميع عند اللّه وعلى جزاء الأعمال والأخلاق