تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 187
وأخلاقهم وأعمالهم معهم في سفرهم إلى الآخرة رضوا أو كرهوا (أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ) معهم وان كرهوا حملهم (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) أي المملوء والقبر لهم بمنزلة الفلك
(وَ) من لا قبر له ينزل مكانه منزلة القبر لذلك (خَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ) أي مثل الفلك (ما يَرْكَبُونَ) عليه في البر مثل الفرس والجمل
(وَ) لا يدل هذا التسيير على وصول المذكورات بالسلامة إلى الآخرة بل هو على وفق هذا المثال (إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ) بالارتداد والرياء والعجب (فَلا صَرِيخَ لَهُمْ) وإن كان قد يوجد عند غرق الفلك المحسوس (وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ) بالخروج عن الغرق وان كان قد ينقذ الغريق بالوصول إلى الساحل أو إلى سفينة أخرى
(إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا) بالتوفيق للإيمان بعد الارتداد فإن صاحبه ينقذ في الدارين ان كان من قلبه (وَ) الا كان انقاذه (مَتاعًا إِلى حِينٍ) وهو الموت
(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ) أي لمنكرى البعث ان لم تؤمنوا به من هذه الدلائل فالواجب على العاقل ان يكون حذرا حذر راكب السفينة (اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) من عذاب الآخرة إذ لا دليل على انتفائه (وَما خَلْفَكُمْ) من غرور الدنيا فلا تضيعوا لها الآخرة ولا تتحملوا لها ما أمكن من عذاب الابد (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) في الدنيا بجزم الاعتقاد وفى الآخرة بالنجاة وفوز الدرجات أعرضوا عن هذا القول اعراضهم عن الآيات
(وَ) ذلك لأن من عادتهم انهم (ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ) علموا انها (مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ) الذي رباهم بالنعم ولا يبعد أن يربيهم بالآيات فإن أعرضوا انتقم منهم حسبما أنعم عليهم (إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ وَ) لا يخصون اعراضهم بما لا يوافق رأيهم بل يعرضون عما اتفقوا عليه مع زيادة الكفر والاستهزاء فانهم
(إِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا) في سبيل اللّه على الفقراء (مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) أي ملككم فاضلا عن حاجتكم (قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بأمر اللّه وقدرته وابتلائه وثواب الصدقة (لِلَّذِينَ آمَنُوا) فاحالوا الأمور على مشيئة اللّه وانه يأمر بما يشاء ويثبت على ما يشاء ويبتلى كيف يشاء (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) فإذا أعطيتموهم بعد ما حرمهم اللّه فقد خالفتم اللّه وعارضتم ارادته بارادتكم وادعيتم انكم أجود من اللّه (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) وهذا من كفرهم بامر اللّه وبأن أفعال الحيوانات تابعة لارادتهم التابعة لاهويتهم التي خلقها فيهم بحسب استعداداتهم وان العبد كيف يكون أجود من اللّه مع انه طالب عوض من مدح أو ثواب ولا يعطى ما لم يلق في قلبه الإعطاء فهو المعطى بالحقيقة وهو مسخر له
(وَ) إذا قيل لهم انما لم يطعمهم اللّه ابتداء لأنه أفقرهم وأغناكم ابتلاء لكم هل تطعمونهم فيثيبكم على احيائهم أولا فيعاقبكم على اماتتهم (يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ) الذي لاجله الاتقاء والانفاق بينوا لنا وقته (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) وإذا لم يصدقوهم في أصل الوعد بعد إقامة الدلائل لا يصدقونهم في وقته ولا في أصله من أجله ما لم يروه فهم
(ما يَنْظُرُونَ) أي ما ينتظرون الإيمان به (إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً) هي النفخة الاولى لكونها مقدمة قريبة لها لأنها (تَأْخُذُهُمْ) أي تأخذ من في المشرق والمغرب (وَ) الإيمان لا ينفع مع المقدمات البعيدة كطلوع الشمس من المغرب فكيف مع المقدمة القريبة سيما ولا شعور