تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 188
لهم بمجيئها إذ (هُمْ) حينئذ (يَخِصِّمُونَ) أي يتكلمون في المعاملات الدنيوية ولو نفع فلا يمكنهم إذ يسرع تأثيرها فيهم
(فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً) لو بقى لهم قريب أو صاحب كيف (وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) بالمكالمة
(وَ) كيف ينفع الإيمان مع هذه المقدمة مع انها كنفس ما هي مقدمته وهو البعث لوقوعه حين (نُفِخَ فِي الصُّورِ) فهو كما يقبض الأرواح بمرة يردها إلى الاجساد ايضا بمرة (فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ) أي القبور (إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) أي يسرعون فيكاشفون عنه كشفا تاما فكيف يقبل الإيمان به حينئذ ولا يمكنهم الإيمان قبل الوصول إليه ولا بين النفختين إذ يكونون بين النفختين في غاية التجرد فيكونون كالراقدين وبعد البعث لا يعرفونه حتى تبين لهم لذلك
(قالُوا يا وَيْلَنا) تعال الينا فبين لنا (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا) فكيف يتصور منهم الإيمان حال الرقود أو حال اليقظة من غير ان يعلموا انه البعث حتى يقال (هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ) على السنة رسله بمقتضى عموم رحمته لا يقاظ عباده ليستعدوا له فإذا أعرضوا عنه أخرجهم من عموم رحمته (وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) في تبليغ وعده فلم يعلموا صدقهم إلى الآن فكيف يتأتى منهم الإيمان بهم حينئذ ولا بعد ما قيل لهم لأنه وجب الحضور عند ربهم لأنه
(إِنْ) أي ما (كانَتْ) مدّة البعث والنسل والحضور (إِلَّا) مدّة تسع (صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ) أي وان كانوا متفرقين في اطراف الأرض (لَدَيْنا) أي في مكان يستمعون فيه كلامنا (مُحْضَرُونَ) فلم يقع بين النفخة والحضور زمان يعتد به حتى كأن ما وقع بينهما من قولهم يا ويلنا ومن النسل إلى للّه لم يكن ولا ينافى ذلك ما ورد من انشقاق الأرض لبعضهم قبل بعض لأنه لنبت الاجساد والنفخ لايصال الأرواح إلى الاجساد ولا ينافيه اتيانهم أفواجا لأنه ليس معناه اتيان فوج عقيب اخر بل اتصاف كل فرقة بهيئة خاصة والاسراع بالصيحة الواحدة وان أشعر بغاية الغضب
(فَالْيَوْمَ) لكونه يوم الحضور عند أعدل الحكام (لا تُظْلَمُ نَفْسٌ) وإن اشتد غضب اللّه عليها (شَيْئًا) والاحباط ليس بظلم لأنه بسبب ما عمل من المحبط (وَ) أنتم وان عذبتم بتلك الشدائد (لا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ولو قيل رؤية أصحاب الجنة آلام أقاربهم وأحبابهم تؤلمهم ظلم يقال
(إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ) الذي حضروا فيه عند محبوبهم (فِي شُغُلٍ) عن أقاربهم وأحبابهم وكفى بهم شغلا أنهم (فاكِهُونَ) أي متلذذون بحضورهم عند محبوبهم وباكرامه اياهم حيث وقاهم حر الشمس في المحشر إذ
(هُمْ وَأَزْواجُهُمْ) بتبعيتهم وان لم يبلغن بانفسهن حد كرامتهم (فِي ظِلالٍ) من العرش من غير نصب بالقيام بل مع كونهم في حضرته (عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ) ومن كرامتهم انهم قبل دخول الجنة
(لَهُمْ فِيها) أي في تلك الظلال (فاكِهَةٌ) كمقربى الملوك في حضرتهم (وَ) لا يملون بخدمتهم إذ (لَهُمْ ما يَدَّعُونَ) أي يشتهون وبالجملة لا يؤذيهم شيء بعد ان يشرف عليهم ربهم فيقول
(سَلامٌ) عليكم يا أهل الجنة فيسمعونه (قَوْلًا) أزليا (مِنْ رَبٍّ) رباهم باسماع كلامه النفسى ليرحمهم بكل رحمة خاصة من اتصافه بوصف (رَحِيمٍ وَ) لو لم يكن لهم عنهم شاغل لم يتألموا برؤية آلامهم أيضا إذ قيل لهم
(امْتازُوا الْيَوْمَ) الموضوع