تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 189
لتمييز المجرم من المؤمن (أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) فلا تخالطوا أهل الجنة لتتنعموا بمجاورتهم أو يتاذوا بمجاورتكم على ان مخالطة أهل الكرامة لأهل الذلة ذلة لأهل الكرامة وكرامة لأهل الذلة وقد امتاز معبودكم عن معبودهم وقد اخترتموه مع ظهور عداوته على من كان منه جميع النعم مع نهيه عنه على سبيل المبالغة
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ) الذي عاداه الشيطان وعادى من أجله ربه (أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ) لم ينقطع عداوته بانقطاع آدم بل هو (لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) عبدتموه أو لم تعبدوه يأمركم بإنكار اللّه وإنكار معاده وجزائه وإنكار النبوّة واليوم الآخر وبإقرار الهية الاصنام ويعدكم الثواب عليها
(وَ) لم تضطروا إلى عبادته بأن نهيتكم عن عبادته بل عهدت اليكم (أَنِ اعْبُدُونِي) لما لم أزل عليكم منعما بأنواع النعم (هذا) أي ترك عبادة الشيطان واختيار عبادة الرحمن (صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) بين الافراط بعبادة الغير والتفريط بترك عبادة الحق ولا يخاف في المستقيم الضلال
(وَ) كيف خفيت عليكم عداوته مع انه (لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا) أي خلقا (كَثِيرًا) لأن كل فرقة تعتقدان مذهبها هو الرشد وان ما عداه هو الضلال ولا سبب له سوى الشيطان (أَ) عبدتموه بعد هذا العهد مع هذه العداوة والاضلال (فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) كيف وقد اوعدناكم عليه جهنم فأن لم تكونوا تعقلونها في الدنيا فأبصروها اليوم
(هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) على عبادة الشيطان وترك عبادة الرحمن واختيار الضلال
(اصْلَوْهَا) أي ادركوا آلامها (الْيَوْمَ) قبل دخولها (بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) بها وبعبادة الشيطان وإنكار الرحمن وليس هذا دعوى بلا بينة أو ببينة يتوهم فيها الكذب بل بشهادة بعض أجزاء المدعى عليه إذ
(الْيَوْمَ) الذي هو يوم العدل والحكم بمجرد الدعوى أو بينة يتوهم فيها الكذب ظلم (نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ) لئلا يعارض قول اللسان قول سائر الاعضاء (وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ) فتقر بما عملت (وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ) على فعل الايدى(بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
وَلَوْ نَشاءُ)ترك تعذيبهم على الاعتقادات والأعمال الباطنة (لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ) أي أعين عقولهم (فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ) أي تركوه سابقا عليهم لا يمكنهم قطعه فإن قطعوه (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) مقصدهم ليفوزوا بفوائده
(وَلَوْ نَشاءُ) ترك تعذيبهم على الأفعال الظاهرة (لَمَسَخْناهُمْ) أي لقلبنا أجسادهم جمادات مع بقائهم (عَلى مَكانَتِهِمْ) أي مرتبتهم في العقل لكن لا يبقى لجوارحهم حركة (فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا) في أوامرنا (وَلا يَرْجِعُونَ) عن نواهينا
(وَ) ربما يكتفى باقل من ذلك بان نعمره فإن (مَنْ نُعَمِّرْهُ) أي من نطول عمره (نُنَكِّسْهُ) أي نذلله (فِي الْخَلْقِ) بنقص عقله وضعف أفعاله (أَ) يريدون ذلك التذلل لترك التعذيب (فَلا يَعْقِلُونَ) وإن زعموا ان هذه الدلائل من القياس الشعرى المركب من المقدمات التخييلية المؤثرة في النفس تتفيرا وترغيبا على خلاف مقتضى الحقائق يقال
(وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ) أي القياس الشعرى (وَما يَنْبَغِي لَهُ) أي وما يليق بحاله ورتبة كماله (إِنْ هُوَ) أي ليس ما نزل عليه (إِلَّا ذِكْرٌ) أي كلام شريف يرفع ذكره ويعرف صدقه بادنى التذكر لكونه من