تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 199
فارتفع عنهم العذاب فلما سمع به هرب فعوتب
(إِذْ أَبَقَ) بغير إذن ربه عمن يريد التقرب إليه بواسطته (إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) إلى المملوء الذي لا يجرى الا عن قوّة الريح فاحتبست عنهم فقال الملاحون ان ههنا عبدا آبقا فاقترعوا لالقائه
(فَساهَمَ) أي فقارع فخرجت القرعة عليه مرارا (فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) أي المغلوبين بالقرعة وأصله افزاق عن الظفر فقال انا الآبق ورمى بنفسه في الماء
(فَالْتَقَمَهُ) أي ابتلعه لقمة واحدة (الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) نفسه بالخروج من غير إذن ربه فكان في لومه نفسه مسبحا لربه
(فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) أي القائلين لا اله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين
(لَلَبِثَ) حيا معذبا عذاب القبر (فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) لكن رحمناه بهذا التسبيح وان وقع بعد المؤاخذة
(فَنَبَذْناهُ) بأن حملنا الحوت على لفظه (بِالْعَراءِ) أي المكان الخالى (وَهُوَ سَقِيمٌ) بلى لحمه ورق عظمه قيل التقمه ضحى ولفظه عشية وقيل بعد ثلاثة وقيل سبعة وقيل عشرين وقيل أربعين
(وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ) ليقيه عن الذباب والشمس (شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ) أي منبسط على الأرض والاكثر على انها الدباء ولما رحمناه بذلك صار راحما
(وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ) لو اعتبر عدد المهروب عنهم (أَوْ يَزِيدُونَ) لو اعتبر الداخل فيهم
(فَآمَنُوا) أي فجددوا الإيمان به عند حضوره (فَمَتَّعْناهُمْ) بالحياة والعبادات (إِلى حِينٍ) أي حين انقضاء الآجال ولم يذكر السّلام عليه لأنه لم يتم احسانه حيث هرب بغير إذن ربه وان زعموا ان نجاة قوم يونس لم تكن لإيمانهم ولإهلاك من هلك لكفرهم والا لهلك آباؤنا فلم يلدونا بل نحن المحسنون برؤيته في كل شئ
(فَاسْتَفْتِهِمْ) أي اسالهم هل احسانهم لتفضيلهم أنفسهم على اللّه (أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ) لتفضيلهم أنفسهم على الملائكة إذ قالوا
(خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا) وجعلناهم ذكورا (وَ) ليس هذا التفضيل مما يلزمهم من غير شعور لهم بل (هُمْ شاهِدُونَ) لكن لا تقبل شهادتهم لظهور كذبهم في حق اللّه
(أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ) أي كذبهم الصارف عن الحق(لَيَقُولُونَ
وَلَدَ اللَّهُ)مع ان الولادة من خواص الأجسام القابلة للفساد (وَ) لو صدقوا في ان للّه ولدا (إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) في ان أولاده اناث لا غير
(أَصْطَفَى) لنفسه (الْبَناتِ) الناقصة (عَلَى الْبَنِينَ) الكمل ليتفضلوا عليه
(ما لَكُمْ) أي أي شيء عرض لعقلكم (كَيْفَ تَحْكُمُونَ) بتخصيص اللّه بكل نقص وتخصيصكم بالكمالات
(أَ) ترون أنفسكم أكمل من ربكم من كل وجه (فَلا تَذَكَّرُونَ) ما في أنفسكم من النقائص مع ظهورها لكم الكم مشاهدة ذلك
(أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ) أي حجة ظاهرة ولا يجوز ان تكون عقلية بل غايتها ان تكون نقلية
(فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في هذه الدعوى
(وَ) لو فرض ايتاؤهم بكتاب فانما يكون مما أنزلته الجنة عليهم وهم يقبلونهم إذ (جَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) أي قربا منه مثل قرب أولاد أحدنا إليه (وَ) لكنهم لا يبالون بما يتكلمون به على اللّه فانه (لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) في النار يوم القيامة فأيسوا عن رحمته فإذا وصفوه بشيء يجب ان ينزه عنه
(سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) من الجنة فانهم لا يصفونه بما