تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 198
لأنهما مع هذا الملك كانا ناظرين إلى اللّه تعالى فكانا محسنين وهذا جزاء المحسنين
(إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) لا باعتبار احسانهما إلى الاتباع احسان الملوك إلى الرعية بل باعتبار احسانهما في النظر الينا
(إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَ) لا يقتضى هذا الاحسان رؤية الهية كل شيء حتى لا ينكر على عبدة الاصنام بل لا بد للرسول من الإنكار وان بلغ ما بلغ من الاحسان
(إِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وقد بلغ من قوّة الاحسان إلى حيث ركب فرسا من نار ومع ذلك انكر على قومه عبادة غير اللّه
(إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ) في دعوى الاحسان برؤية الكل إلها الغيرة الالهية في عبادة غيره
(أَتَدْعُونَ بَعْلًا) هو اسم صنم كان للملك المسمى بك وبه سميت القرية بعلبك ولا شيء له من الخلق الذي به استحقاق العبادة لأنها غاية التذلل فلا يستحقها الا من له غاية الانعام (وَتَذَرُونَ) عبادة أكمل المنعمين لكونه (أَحْسَنَ الْخالِقِينَ) باظهار جماله فيما يخلقه لكن لا يجعله بذلك إلها بل
(اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) مع ان ظهوره فيهم اتم من ظهوره في بعل وامثاله
(فَكَذَّبُوهُ) بأن جماله الذي ظهر فيه لا يغايره فكان إلها وكان هذا التكذيب منهم لمن هو أكمل المظاهر تكذيبا للاله صريحا (فَإِنَّهُمْ) بهذا التكذيب (لَمُحْضَرُونَ) في العذاب
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) فانهم وان رأوا ظهوره في الكل لا يعتقدون الهية الكل حتى يعبدوه
(وَ) انما يعبدونه من حيث الاطلاق ولم يبطل بذلك احسانهم كما لم يبطل بهذا الإنكار احسان الياس لذلك(تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ)أي ابنه فانه الياس ابن ياسين وفيه اشارة إلى ان الاحسان لا يبطل خصوصيات الأشياء كما لا يبطل انتسابه إلى عبادة اللّه انتسابه إلى ابيه
(إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) فكان محسنا وان غار على بعل بمقتضى إيمانه
(إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَ) كيف يمنع هذا الاحسان الإنكار على عبادة الاصنام وقد اقتضى الإنكار على ما دونه من الفواحش لذلك انكر لوط على قومه وان علم ان الفاعل في الكل واحد
(إِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) للانذار عن الفواحش لذلك فاز بالنجاة
(إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) عن عذاب قومه المنذرين
(إِلَّا عَجُوزًا) هي امرأته فإنها وان خرجت عن مكان عذابهم كانت (فِي) حكم (الْغابِرِينَ) أي الباقين فيه
(ثُمَّ) بعد انجائهم (دَمَّرْنَا) أي أهلكنا (الْآخَرِينَ) بجعل قريتهم عاليها سافلها وامطار حجارة من سجيل عليهم وان كان الفاعل هو اللّه لكنه ظهور باسمه المضل الذي يعقبه ظهور اسمه القهار
(وَإِنَّكُمْ) ايها الزاعمون ان اللّه لا يؤاخذنا بما فعل فينا (لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ) فترون دائما علامات مؤاخذتهم
(أَ) تكذبون الرؤية الدائمة (فَلا تَعْقِلُونَ) فإن الرؤية ان كذبت حينا فلا تكذب الدائمة أصلا ولم يذكر السّلام على لوط لأنه لم يسلم احسانه إذ قال لو أن لى بكم قوّة أو آوى إلى ركن شديد ثم ان فعل اللّه وان لم يسقط المؤاخذة فمحله محل الشفقة
(وَ) لذلك عوتب يونس على تركها (إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) للانذار عن القبائح ومع ذلك عوتب على ترك الشفقة على قومه إذ كذبوه بوعدهم العذاب فخرج إلى مكان قريب فاظل عليهم العذاب فاستغفروا وتضرعوا وفرقوا بين الاطفال وأمهاتهم