فهرس الكتاب

الصفحة 692 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 232

بِناءً) مع ان ثقله يقتضى سقوطه لتستدلوا به على ارتفاع شأنه على سائر الموجودات (وَصَوَّرَكُمْ) صورة جامعة لأمور كثيرة مع انكم من مادة واحدة لتستدلوا على ان هذه الكثرة انما حصلت من ذلك الواحد (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) بجعل كل عضو في مكان يليق به ليتم الانتفاع بها فتستدلوا بذلك على كمال حكمته (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) لتستدلوا بذلك انه يطلب ميلكم إليه لتعبدوه فهذه الدلائل دلت على انه (ذلِكُمُ) المدلول بها هو (اللَّهُ) الجامع للكمالات كلها مع انه (رَبُّكُمْ) الذي رباكم بتلك الكمالات وإذا كانت له هذه الكمالات من ذاته فلا حاجة إلى الأسباب (فَتَبارَكَ اللَّهُ) لكنه خلق الأسباب لأنه (رَبُّ الْعالَمِينَ) وهو وان رباها فليس لها أثر إذ لا حياة لها من ذواتها بل

(هُوَ الْحَيُّ) بالذات إذ الحياة مرجع صفات الالهية فلا تكون لغيره بالذات إذ (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) فلا تأثير لغيره بالذات فلا يستحق العبادة غيره إذ هي للمؤثر بالانعام والانتقام عن اختيار كامل يتوقف على الحيوة بالذات (فَادْعُوهُ) وانعامه بالإخلاص وانتقامه بتركه فكونوا (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) وكيف لا تخلصون له الدين مع انه المستقل بجميع التأثيرات لذلك يقال فيه (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) فإن زعموا ان ربوبيته للعالمين بوسايط الأسباب في البعض وبدونها في البعض وبذلك استحق جميع المحامد فصار معبودا بالذات وبالظهور في الأسباب جميعا فأكمل العبادات أن نعبده باعتبار ذاته وباعتبار مظاهره

(قُلْ) لو كانت عبادته بالاعتبارين كمالا كنت مأمورا بعبادة معبوديكم وليس كذلك بل (إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ) لأنها تذلل الأعلى للادنى أما دونهم فلكونهم (مِنْ دُونِ اللَّهِ) واما علوى فلأنى (لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ) التي لم تجئهم كنت أعلى منهم إذ دلت على قربى (مِنْ رَبِّي وَ) لم أصر بها مستحقا للعبادة إذ (أُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ) له على انه لو اعتبر الإسلام لظهوره في المظاهر فلا يختص بذلك مظهر دون آخر بل يجب الانقياد (لِرَبِّ الْعالَمِينَ) ولا تتنزل المظاهر الكلية منزلة رب العالمين إذا عظم المظاهر الإنسان وفيه من وجوه النقص ما يمنع من استحقاقه للعبادة وانما يعبد من نقله من النقص إلى الكمالات وبالعكس إذ

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ) هو أدنى البسائط العنصرية (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) هو أدنى المياه (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) هو أشبه بالهواء (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) هو أشبه بالجمادات (ثُمَّ) ينميكم نماء النباتات (لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) فتكمل فيكم الحيوانية (ثُمَّ) يحطكم (لِتَكُونُوا شُيُوخًا) فتعودوا إلى ما يشبه الجمادات (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى) فيصير جمادا (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل أن يصير شيخا (وَ) من ترك فانما يترك للمصير إلى الجمادية (لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى) ثم تصيروا جمادا (وَ) انما فعل ذلك (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ان المظاهر وان بلغت ما بلغت من الكمال ففيها من النقص السابق أو اللاحق ما يمنع من استحقاق العبادة وكيف يستحق الغير العبادة مع انها اما للشكر على النعم وأجلها الحياة وهي من اللّه إذ

(هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ) اما للخوف وأجله خوف العاقبة وهو منه إذ هو (يُمِيتُ) له القدرة التامة على كل مرجو ومخوف لأنه (فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ثم ان المظاهر الكاملة انما هي آيات اللّه لكنهم يجعلونها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت