تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 241
العقلاء على الانقياد له (قُلْ) انما ينقاد له من ينتفع به وهم المؤمنون إذ (هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً) أي الدلائل (وَشِفاءٌ) عن الشبه (وَ) انما لا ينقاد له المعاندون لمج اسماعهم اياه إذ (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ) أي ثقل (وَ) لو سمعوا لم ينظروا فيه إذ (هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) وليس ذلك لنقص في اسماعهم أو ابصارهم بل لبعدهم عنه (أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) وللاختلاف فيه قربا وبعدا وقع فيه الاختلاف
(وَ) وقوع الاختلاف في كتابك لا يدل على نقصه كما لم يدل وقوع الاختلاف في التوراة على نقصها فانا (لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَ) هذا الاختلاف لعظم موقعه بحيث (لَوْ لا كَلِمَةٌ) بتأخير الفصل إلى يوم القيامة (سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) لا بقاء التكليف (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بالفصل وكيف لا يؤخر فانما يؤخر في حق من يرجى له اليقين (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) أي من ذلك القضاء لا زائل بأدنى التفات بل (مُرِيبٍ) موقع في زيادة الريب مع انه لا وجه له أصلا للاتفاق على ان
(مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها) مع انا كثيرا ما نجد الأمر بالعكس وهو ظلم (وَ) قد اتفقوا على انه (ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) وكيف تنكر القيامة مع وجود هذا الدليل القاطع لشبهة واهية كالجهل بساعة ابتدائها مع انها انما تتم لو كانت مجهولة على الاطلاق لذلك
(إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ) كيف (وَ) لا ينكر خروج ثمرة من اكمامها للجهل بساعة ابتدائه بل إليه يرد علم ساعة خروج (ما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَ) كذلك لا ينكر وجود الحمل والوضع للجهل بوقتهما فانه (ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) والمطلع على ذلك انما يطلع باعلامه لا بسبب من الأسباب (وَ) كيف ينكر وجودها مع انه انعم بايجاد الثمرات والأولاد وحده وقد اشركوا به في ذلك فلا بد ان يكلمهم في ذلك بعد ان يظهر لهم بطلان الشرك (يَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ) أي اعلمناك من اعتراف بواطننا بالتوحيد حين كوشف لنا به (ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ) يشهد على ان لك شريكا لأن الشهادة هو القول المطابق لما في القلب وهذا القول لا يطابق ما في القلب الآن وأنت مطلع على ما في القلوب فقلوبنا اعلمتك بذلك
(وَ) كيف يشهدون بذلك وقد (ضَلَّ عَنْهُمْ) فانمحى عن قلوبهم (ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَ) لكن لم يفدهم هذا المحو لأنهم بقى عليهم حجاب الشرك بحيث (ظَنُّوا) أي ايقنوا (ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) أي مهرب عن هذا الحجاب الموجب للعذاب لأنهم فوّتوا وقت الهرب وكان الواجب على الإنسان ان يبالغ في الهرب منه لأنه من أعظم الخيرات مع انه
(لا يَسْأَمُ) أي لا يمل (الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَ) كيف لا يبالغ في الهرب عنه مع انه أشد وجوه الشر مع انه كان بحيث (إِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ) من رحمة اللّه (قَنُوطٌ) من الخير كله
(وَ) هذا اليأس والقنوط وان لم يتحقق له في الدنيا يتحقق له في الآخرة لأنه لا يتخلص من شدائدها اصلا لانا علمنا من الإنسان انا (لَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا) من غير استحقاقه اياها بذاته لكونها (مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) ولو استحقت ذاته الرحمة لم يمسه الضراء أصلا (لَيَقُولَنَّ هذا) حق (لِي) فلو خلصناه من العذاب الأخروى لرأى التخليص حقه فيجترئ على المعاصى مرة اخرى (وَ) كيف يخلص وهو يقول الآن (ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً) فإذا خلص يمكنه ان يقول أنا لا ابتلى بمثل ذلك ثانيا لأن اللّه