تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 240
المظهر فإن خصصتموه بالعبادة في الباطن عند عبادتكم المظاهر في الظاهر فاعبدوه بدونها (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) لأن عبادتكم اياه فيها تجعله مقيدا بها وهو غيرها
(فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا) عن عبادته بلا مظهر لأنه يشبه العدم فهي جهة وجوب الوجود التي هي متعلق عبادة من يعبدونهم في ضمن عبادة الشمس والقمر والاصنام (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) أعلى عبادتهم التسبيح ولذلك يواظبون عليه إذ (يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ) باعتبار بطونه وظهوره أن يكون مثل الأمور المعقولة أو المحسوسة (وَ) هذا الاعتبار وان كان ابعد من التعقل (هُمْ لا يَسْأَمُونَ) عنه لعلمهم انه أعلى مراتب العبادة له
(وَ) لو اعتبر في العبادة الظهور بالاسماء فأعلاها اسمه الحى ومن مظاهره الأرض ومن الاسماء الالهية المحيى ومن مظاهره الماء إذ (مِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً) أي ذليلة يابسة لا نبات عليها (فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ) أي تحركت للانبات (وَرَبَتْ) أي زادت قدرا فقد ظهر في الأرض باسمه الحى وفى الماء باسمه المحيى لكنهما لا يستحقان العبادة باتفاق بل فائدة الظهور فيهما انما هي الاستدلال حتى يقال (إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وإذا كان ظهوره في الأشياء باسمائه ليكون آية يستدل بها على اسمائه كان العدول عن الاستدلال إلى العبادة الحادا
(إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا) فانهم وان زعموا انهم يقصدون عبادتنا من جهات كثيرة (لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا) انهم يغيرون مقاصدنا فهم بذلك يستحقون النار والذين لا يغيرون شيأ من مقاصدنا آمنون من ذلك (أَ) يزعمون انهم لعبادتهم اياه من تلك الجهات خير (فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ) لتغييره شيأ من مقاصدنا (خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ) الذي لا يأمن فيه من غير شيأ من مقاصدنا وان لم يزل آمنا أيام حياته كيف وقد اختاروا للعبادة جهة الحدوث وتركوا جهة الوجوب الذاتى (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ولو صحت عبادة المظاهر لكان أولى ما يعبد كتابه لكنهم كفروا به
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ) أي بالشرف الذي ظهر به في كتابه مما هو أقرب إلى استحقاق العبادة من سائر الصفات لكنهم رأوه أدنى (لَمَّا جاءَهُمْ وَ) لكن مجيئه لم يجعله أدنى (إِنَّهُ) لإعجازه (لَكِتابٌ عَزِيزٌ) لا يصل إليه طاقة الخلائق ولا دنو فيه من جهة اشتماله على الباطل إذ
(لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) في شيء من مقدماته (وَلا مِنْ خَلْفِهِ) في شيء من نتائجه ودناءة النزول فيه لم تجعله أدنى لأنه (تَنْزِيلٌ) لاسرار الحكمة (مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) يحمده كل من رآه فزعم أن من أوتيه فقد أوتى خيرا كثيرا والخبر محذوف وهو كفرهم كفر بمن ظهر فيه بكمالاته ولا يخل بشرفه طعنهم فيمن أنزل عليه إذ
(ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ) المشهورين بالشرف (مِنْ قَبْلِكَ) وعدم مؤاخذة الطاعنين فيهم لا يدل على دناءتهم (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ) أي ستر في الدنيا ابقاء للتكليف (وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ) في الآخرة سيما إذا لم يعاقب في الدنيا
(وَ) لا يتوقف إعجازه على جعله أعجميا منزلا على رسول عربى بل (لَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا) لا نعلم إعجازه الا بعد فهمه (لَوْ لا فُصِّلَتْ) أي بينت بالعربية (آياتُهُ) بحيث يعرف إعجازها وكيف يتصور إعجاز العرب بالكتاب العجمى (ءَ) ألمعجز (أَعْجَمِيٌّ وَ) المتحدى (عَرَبِيٌّ) فإن زعموا انه لو كان معجزا لاتفق